Powered By Blogger

الاثنين، يونيو 30، 2008

الحلقة العاشرة :"جبران يؤجل أحلامى"



أخذتنى الصحافة والمغامرات والحديث عنهم وبعدت بحديثى عن عشقى الأول الأدب وما أدراكم ما الأدب إنه جنينى العزيز الذى حملت به عمرا ولم ألده بعد إنه عشقى البعيد الذى انتظرته دهرا ولم ألمسه بعد انه كيانى دليل وجودى الأول والأخير إنه الخطيئة والمخلص الداء والدواء المرايا والأنا إنه أنا
ليس لى رصيد كبير فى الشعر سواء الفصحى أو العامية وما كتبته من الشعر لا أعترف به كأدب انما خواطر شخصية لذا فطموحى الأدبى كله فى النثر جربت كتابة العديد من أشكال النثر ولكن حلمى الأول والأعظم كان الرواية، كنت فى الصف الثانى الثانوى حينما واتتنى الفكرة الأولى لما أسميته رواية ، قبل أن تتضح ملامح فكرة واضحة ظللت عدة ليالى أشعر بشىء يعتصرنى يريد الخروج من الروح أو الدخول فيها ولم أكن أعرف ماذا أفعل سوى البكاء ! أجل كنت أبكى ألما لا أعرف له سببا سوى قول شىء ما لا أستطيع قوله وكان وجع المخاض الأول الذى لم أكن جربته من قبل فتبكينى الدهشة قبل الألم
بعد فترة بدأت الأفكار تتضح بعض الشىء صار الشعور حكاية وكانت حكايتى الأولى عنوانها "زورق أمل فى نهر الدموع" كانت حكايه عن فتاة تحطمت آمالها الواحد تلو الآخر أمام عيونها وخذلتها الدنيا مع من أحبتهم أو أحبوها ولكنها تمسكت بالصبر وانتصرت إرادة الأمل فى النهاية والحكاية التى تلتها أو سبقتها لا أذكر تحديدا كانت بعنوان "صرخة حلم" وتحكى قصة مناضلة فلسطينية تعرضت للتعذيب البشع فى سبيل وطنها وهى رمز لهذا الشعب أما البطل فكان رجل نبيل وقف بجوارها حتى النهاية وهو رمز للوطن، مغامرات وتفاصيل لا أذكرها الآن ، بعدها توالت القصص والروايات [ لهيب الشمس ،بلا وداع ،ورثة أيوب ، الصراط المستقيم ،قبلة المساء ،فلسفة الأحزان ، لحد من الحب ،قادة ورعايا ،بين يدى الله ، الزهور الذابلة ،دموع شهرزاد ،عايدة ، كتاب مقدس ،زنزانة الحرية ، عابر خيال ، إنسان ، قناة فى شريانى ، فى رحاب الشيطان ، لقد حققنا أمانينا ، ذات الرداء الأسود ، الحرب العالمية الثالثة ، أرض السعادة ، أنا والطوفان من قلبى ، تحت تهديد السلاح ، تحيا مصر ، بشرى ، النهر ، سأحبك طوال العام ، التائبون ، وآخره عتق من النار ، الحب أقوى ، إمارتى ، العاشق ]
لا زلت أحتفظ بورقة كتبت فيها أسماء هذه الروايات وهيكل الحدوته ليس له مسودة سوى فى خيالى فقط ! كنت عندما أصنع حبكة لقصة من تلك القصص أجمع إخوتى وبعض أقاربنا وأحكيها لهم لازلت أذكر وإياهم هذه الأيام التى كنت أجنح فيها بخيالى وأصور لهم قصص العذاب والنضال والتحدى والصمود فى وجه الأيام وكم كانت تستمتع بها طفولتهم الغضة
كانت معظم القصص تدورفى أجواء الصراعات والحروب والأزمات الخطيرة التى تعرضت لها أمتنا ولا زالت ، فهو منطقى جدا على من تريد إصلاح الدنيا أن تختار فلك النضال لتدور به أجواء رواياتها،ولأن هذه الروايات جميعا كانت تحتاج لمراجعة تاريخية وعلمية دقيقة لم تسمح بها الظروف وقتها لصغر سنى واحتياجى للكثير من الدراسة والمراجعة فى هذه الموضوعات فقد أجلت كتابة جميع هذه الروايات لأجل غير مسمى أو مسمى وهو انتهائى من هذه المراجعة العلمية التاريخية وأيضا حتى ينضج اسلوبى ويتبلور بشكل يخصنى ويميزنى .

كنت من عشاق مدرسة المهجر فى هذه الفترة من عمرى وخصوصا مى زيادة وجبران خليل جبران، كنت أبحث لهم عن أية كلمة يمكن أن أحصل عليها فى أى مكان كتاب مجلة جريدة قديمة جديدة المهم قراءة كل ما كتبوه وكان لهذا الشجن الذى يسيطر على كتاباتهم تأثير كبير على نفس فتاة مراهقة ودائما ما قرأت ندم جبران على كل ما كتب إنها ثرثرة كان عليه أن يصبر ولا يتعجل كتابتها فهذه الثرثرة من وجهة نظره لم تصنع عمل عظيم بل مجرد كلام مثل أى كلام لذا كان عليه التأنى لكتابة عمل ربما كان واحدا ولكن عظيم !! سيطرت على فلسفة جبران طويلا التأنى كى لا أكتب ثرثرة مكررة وبقيت بأفكارى أسطرها على صفحة العقل بتفاصيلها الكاملة وأنقحها فى كل يوم ولا أسود بها أوراقى الخالية !

عندما بدأت ذاكرتى تخوننى فى تذكر تفاصيل عالم كتاباتى بدأت أكتب مسودات لمشاريع أقرب إلى النضج مما سبق ،ثم حاولت كتابة القصة القصيرة كمشروع ممكن إنجازه بدون هذا الوقت الطويل من المراجعات والتأنى وكان لى بعض المحاولات فيها ، وكتبت عدة مسرحيات من فصل واحد ،ونصوص أشبه بالقصيدة النثرية وبقى حلمى الكبير كما هو مسودات لمشاريع لا ينقصها سوى رتوش أراها أهم ما فى الموضوع ولكنها مؤجلة للوقت المناسب لكتابة عمل عظيم بعيد عن الثرثرة التى قد أندم عليها يوما ندم جبران العظيم !
عفوا جبران ليس الصمت ما يصنع الأعمال العظيمة إنما يؤجلها للموت بها ،أدركت هذا مؤخرا أعلم ولكنى أدركته .

ترى أيمهلنى العمر الفرصة لندم عظيم على ما لم أكتبه وليس ما كتبته .

إلى اللقاء فى الحلقة القادمة

إنجى همام

الجمعة، يونيو 27، 2008

الحلقة التاسعة :مراسيل 2



لدينا عادة شديدة الرسوخ فى بيتنا وهى أن لا أحد ينام إلا فى الظلام والظلام لا يعنى ظلام الغرفة التى ينام فيها بل ظلام المنزل كله 0
كنت فى إجازة الصف الثانى الثانوى وكانت المرة الأولى التى أقرأ فيها رواية طويلة لكاتب عربى ، كانت قراءاتى الأولى معظمها لترجمات عالمية وحتى ما قرأت من العربية لم يصل لهذا العدد من الصفحات رواية من ألف صفحة "الرجل الذى فقد ظله "للراحل فتحى غانم ، كانوا اخوتى جميعا يجلسون أمام التلفاز خفيض الصوت فى جو غرق فى الظلام لأن أبى و أمى قد ناموا وكنت أجلس ومعى هذه الرواية على الأرض أمام باب الحمام حيث مصدر الضوء الوحيد آتى من مصباح صغير "سهراية "وأظل الليل بطوله على هذه الحالة ففى الصباح هناك شواغل أخرى على كل فتاه كما أسلفت ورغم ذلك أذكر ان صفحات بعض الكتب كادت تحترق وأنا أمسكها بيد وبالأخرى أقلب شىء على النار "ملحوظة "- لم أكن من محترفى الطبخ ولكن لابد من دخولى لمتابعة شىءما - ،كانت المرة الأولى التى أقرأ فيها لفتحى غانم ولا زلت لليوم أذكر تفاصيل مشاهد هذه الرواية البديعة وكنت مستمتعة جدا من هذا الجو الذى كنت أقرأفيه والذى لابد وسأرى آثاره على نظرى مع الأيام ولكنه كان جو ملائم لجو الرواية التى لم أستطع نسيانها بمجرد الإنتهاء من قرائتها بل ظل تأثيرها ملازمنى بقوة أكثر من عام
كانت ليلة آخر مادة فى الإمتحانات وكان إمتحان التاريخ للثانوية العامة وهى مادة أعشقها لذا لم أفتح كتاب المادة ! بل أخذت فى تبييض بعض المقالات التى كتبتها خلال العام الدراسى وبعد أن انتهيت من ذلك دخلت فراشى ونمت وفى الصباح وبعد إنتهائى من أداء الإمتحان والذى كانت تقع لجنته بالعباسية توجهت لروزاليوسف "المجلة بالطبع" لا أذكركيف وصلت ولاماذا ركبت ولكنى أذكر انى قبلها بعدة أيام قمت بأداء مسلسل عربى على أبى قلت له انى ذهبت لمقابلة فتحى غانم وفى الإستقبال حينما سألونى نقول له من قلت طرف "يوسف عبد الحميد السويفى"وهو بطل الرواية وعندما ابتسم أبى متظاهرا بتصديقى سألته عن العنوان وشجعنى على ذلك ، كنت أرتدى "تايوور شانيل مشجر أما شعرى فكان كاريه قصير والقصة المتطايرة داخلة فى عينى اليمين حولاها "ورائحة "الفا الأزرق" تفوح من ملابسى وخطوتى على الأرض حالمة كمن هى ذاهبة لمقابلة غرامية ، تمخطرت خطوتى فى شارع القصر العينى وكنت لا أريد للطريق أن ينتهى فى الذهاب أو الإياب كنت أشعر أنى أسير بفيلم عربى قديم أو رواية تحكى عن هذا التوقيت ،حينما سألت عن الأستاذ طلبوا منى الإنتظار فى بهو المجلة بهرتنى التابلوهات المعلقة على الحوائط وحركة الصحافيين صعودا وهبوطا وشعرت أنى غلبت آفة الخجل فى هذا اليوم فها أنا فى بهو مجلة معروفة وأنتظر أستاذ من أساتذة الصحافة والأدب الحمد لله ، حينما دخل الرجل الذى كنت أنتظره لم ألتفت فلم أكن قد رأيته من قبل أشارت فتاة الإستقبال نحوى فرأيت رجل بسيط يرتدى بنطلون و قميص صيفى يتجه نحوى ،أحيانا أهاب بعض الأشخاص المتمتعين بالبدانة وأحيانا أرى فيهم طيبة بادية من الوهلة الأولى وكان هذا شعورى نحو الأستاذ فتحى غانم فى أول وآخر مقابلة ، فالرجل الذى قابلنى بترحاب وسمعنى باهتمام طلب منى أن أترك له مقالاتى ليقرأها على مهل وحينما طلب رقم هاتف منزلنا ليرد على فأخبرته بأنه ليس لدينا واحدا !!نعم لم يكن لدينا هاتف بالمنزل ففى هذا التوقيت كان عليك أتقدم طلب لدخول الهاتف لمنزلك وتنساه طويلا ، أعطانى الأستاذ نمر المجلة وطلب منى الإتصال بعد اسبوعين حتى يكون عاد من الأسكندرية ،عدت لبيتنا على جناح السعادة وبعد أسبوعين ذهبت لأحد السنترالات بالشارع لطلب الأستاذ ولكن المجلة كانت مشغولة باستمرار ،مل منى ومن نمرتى المشغولة صاحب السنترال وحاولت فى اليوم التالى وكانت النتيجة نفسها، بعدها ظهرت نتيجةالثانوية العامة ولم تكن درجاتى على ما يرام لذا اقترحت أمى ذهابى لبيت جدى حتى أذاكر بتركيز فى هذه الفترة القصيرة بعيدا عن صخب اخوتى الصغار وهذا ما حدث انشغلت بتحسين المجموع ومن بعده بالتنسيق ودخول الجامعة ولا أدرى أى غباء تملكنى فلم أحاول الإتصال بالأستاذ بعدها أبدا ولم أعرف مقدار غبائى سوى يوم قرأت خبر وفاة الأستاذ بالجريدة فحزنت مرتين !!!
بعد تجربتى المثيرة بالثانوية العامة "أصدقاء هابيل" قررت الإهتمام بدراستى فحسب حتى أصبح جديرة بفعل شىء هام ، لذا ظللت فترة لا أفكر بشىء من أحلام صباى وحتى الكتابة لأحدهم "أعلام الكتابة" لم تعد تخطر ببالى ،إلى أن قرأت مقالة للأستاذ محمد سلماوى عن غياب حلم قومى نحتاج إليه ، كنت فى العام الجامعى الثانى حين ذاك وقرأت المقالة بعربة السيدات بالمترو المتجه لجامعة حلوان حيث كانت كليتى وكان المترو خاليا على غير العادة فأخرجت أحد دفاترى من الحقيبة وجلست لأكتب ردا على هذا المقال وبالفعل كتبت رسالة "مطولة كعادتى " عن أهمية الحلم القومى وعدم صعوبة إيجاده إذا وجدنا القدوة فنحن شعب ضل الطريق ودائما ما نحتاج لنبى حتى نسير خلفه على درب الهدى وأحلام وأوأحلام من هذا القبيل ، تذكرت كانت مقالة سلماوى بعنوان "أضغاث أحلام " فختمت رسالتى بالتأكيد على أن هذه الأحلام المشروعة ليست بعيدة المنال وليست أبدا بأضغاث أحلام ، وبعدها 000 معروف بالطبع ما بعده ، بعدها لم أبعث بالرسالة !!
المهم بعدها بحوالى عام أو يزيد قليلا تابعت سلسة كتابات حول هموم الوطن فى تحقيق السبت بالأهرام للأستاذ عزت السعدنى ، وكان الأستاذ يتلقى خطابات الشباب المقيمين بالخارج ويعرض لنا همومهم وحنينهم للوطن وما أجبرهم على تركه ،وكنت أثناء امتحانات السنة الثالثة الجامعية "أنا مبدعة الإمتحانات أليس لقب يليق بى عن جدارة؟!" جلست فوق المكتب الذى كنت أذاكر عليه كعادتى هذا العام وكتبت له رساله متوسطة الحجم فقد مللت الرسائل المطولة وتشائمت منها ، حدثته عن عشقى لمصر وعن آمالى لها وبها و فيها، حدثته عن ضياع مصر النور فى عصر التنوير وعن علم بلا متعلمين وثقافة بلا مثقفين وعن ادعاء ومدعيين وعن التفكك والأنانية والأنامالية كأوبئة إذا ما عالجناها ستشفى بلادنا وترتقى وتتقدم على كثير من أمم سبقتنا بدون مبرر لتخلفنا عنها سوى ما ذكرت وشفعت رسالتى بالأمل كمصل أولى لبداية العلاج الذى إذا ما آمنا به لابد سوف ينجح وفى هذه المرة أرسلت رسالتى يوم الأحد التالى لقراءتى التحقيق ويوم السبت اشتريت الجريدة وانا عائدة من الامتحان وبعد مطالعة سريعة تركت الجريدة وأخبرتهم أن الرسالة لم تنشر ، لكن إيناس أختى أخذت تقرأ الصفحة بهدوء بعيدا عن توترى وبعدها قالت لى أليس هذا كلامك خطفت الجريدة من يدها وتأملت وتابعت السطور وقرأت كلماتى واسمى لأول مرة فى جريدة وكانت الأهرام أول مكان نشرت فيه!!!


إلى اللقاء فى الحلقة القادمة

إنجى همام

الخميس، يونيو 26، 2008

عودة لمذكرات كاتبة متعطلة عن الكتابة:الحلقة الثامنة "مراسيل"1



يتعجب كثيرا من يعرف منذ متى بدأت التفكير وإلاما وصلت الآن ، أجل سأعترف إنى ناقمة على نفسى وعلى خجلى فهو السبب الأول لضياع عمرى هباء وأحاول اليوم أن أتخلص من عقدى بالكتابة عنها أظنها طريقة جيدة فى العلاج ، المواجهة نعم أتذكر كل شىء لمواجهة نفسى ومحاسبتها علنى أغير نفسى للأفضل ومن ثم العالم
تقع مدرستى الثانوية بمنطقة عابدين بوسط البلد وكان هذا نزولى الأول للعالم فقبل ذلك كانت دائما مدرستى بالقرب من بيتنا ولم أكن من مرتادى النوادى أو المتنزهات العامة إلا قليلا وبصحبة أهلى ، وصديقاتى جميعهن فى نفس منطقتنا السكنية وأنا دائما ما أغلق على باب وأجلس وكتاب أو دفتر وقلم ، بهرتنى الحياة ، الشوارع والبيوت والمبانى ولا سيما انها قديمة وأنا من مدمنى النوستالجى لذا وقعت فى غرام تلك المنطقة وكنت أحاول تغيير طريقى كل فترة لأتعرف على كنوز جديدة من شوارع بلادى الجميلة وكانت هدية السماء بالنسبة لى يوم أن تعرفت على شارع "يعقوب" بعدها لم أبحث عن طرق جديدة فقد صار هذا طريقى الذى اخترته للحياة ، فى شارع يعقوب تقع" جريدة العربى الناصرى" على بعد خطوات قليلة من مدخل الشارع وكنت أسارع الخطى منذ نزولى من المترو حتى أصل إلى هناك فأمشى الهوينى وخصوصا من بداية الرصيف الذى أمام الجريدة أتهادى عليه ورقبتى " مشعلقة" نحو صورة ناصر بالحجم الطبيعى التى تتوج مدخل الجريدة أراه يبتسم وأعتبرها تحيته لى فأرد التحية باسمة كل صباح ، صارت عادتى المحببة ققهوة الصباح التى تضبط مزاج اليوم كله ، بعد فترة من ادمانى على احتساء هذا الشراب واتتنى فكرة جيدة لما لا أكتب فى هذه الجريدة ؟صحيح أنا لازلت بالصف الأول الثانوى ولكن السن ليس له علاقة بالموهبة ومن فورى جلبت أوراق وقلم وجلست لأسطر رسالة مطولة لرئيس التحرير أحدثه فيها عن هيامى بهذه المهنة التى أعتبرها رسالتى المقدسة فى الحياة والتى أعتبر نفسى أحد رسلها للناس ، كان هذا فحوى رسالتى التى لا أذكر الكثير من تفاصيلها ولكن أذكر أنها كانت من عدة صفحات طويلة سودتها بصبابتى للكتابة ورجوته بقبول عملى بالجريدة ووضعت الرسالة فى مظروف وأغلقته ولكنه لم يصل للجريدة حتى اليوم فما زلت أحتفظ به فى حقيبة للذكريات الجميلة ، خجلت أن أخطو داخل الجريدة التى ظللت أمر من تحتها ثلاث سنوات !!!
فى العام التالى تابعت باهتمام بالغ سلسلة مقالات فى الأهرام للكاتب أنيس منصور كان يكتب بخلاف عموده اليومى صفحة كاملة ليوم واحد فى الأسبوع ،وكانت تدور حول الفلسفة وعظمائها والنفس البشرية وتفاصيلها والمجتمع وتحولاته ،جذبتنى بشدة حيث كانت تلك الأفكار الفلسفية شاغلى الأول آن ذاك وكثيرا ماكتبت فى موضوعات تتعلق بها لنفسى بالطبع !
بعد فترة من متابعتى لهذه السلسلة تعلقت جدا بأنيس منصور وصرت أشعر بثمة صداقة بيننا
وقررت الكتابة له وبالفعل كتبت له رسالة ولكنى أرسلتها هذه المرة وفى الرسالة ناشدت فيه انسانيته التى لم تعد توجد إلا فى القلائل من البشر ورجوته أن يحدثنى عبر الورق بعد صمت طويل لم أحدث فيه إنسان سوى أبى الحبيب رحمه الله و كان فى خطابى شىء من نفسى وسؤال محير لما أنا بهذه العقلية المختلفة كثيرا عمن حولى ومن الذى أسكن قلبى نبض مصطفى كامل ونفسى روح جواد حسنى وعقلى فكر كل من حاول التغيير للأفضل ، لماذا بداخلى شهوة لإصلاح العالم ؟؟! الدنيا حولى جليدية متجمدة وأنا شمس متقدة تعدو نحو الجليد كى تذيبه نحو الظلام كى تضيؤه وأخبرته بأنى أحيا بعالم غريب عنى وقد عرفت عنه من فرط ما قرأت له أنه انسان مثلى يحيا بالغابة غريبا ودعوته ليرسل لى كى يأنس كل منا بأخيه !!!
فى هذه المرة فعلت ما على وارسلت الخطاب ولكن لم يأتينى الرد ، سبب ذلك لى احباط لبعض الوقت لكنى حاولت بعد فترة وكتبت لأنيس منصور مرة أخرى ولكن معاتبة على عدم الرد ومستنكرة أن يكون خطابى وصله ولم يرد عليه ومتمنيه أن يكون ضل طريقه فى صندوق البريد،ثم ذكرته بفحوى الخطاب السابق وشفعت هذا الخطاب بمقالة كتبتها حينها آخذة رأيه فيها لازلت أحتفظ بهذه الرسالة لأنى لم أرسلها لا أذكر لماذا هل أشفقت على نفسى من صدمة جديدة بعدم الرد ؟!ولكنى سعيدة الآن بعد ارسالها فلا أذكر ان لدى نسخة أخرى من هذاالمقال
كان بعنوان :أصل الإنسان وكتبت فيه

قد شغلت هذه الفكرة عقل كثير من المفكرين والعلماء فى مختلف العصور ولكنى مع احترامى لها ولهم لا أبالى بمعرفة أصل الإنسان بقدر اهتمامى بمعرفة نهايته كيف ستكون ، فما الفائدة إن كان الماضى رائعا إذا كنا نحن نعيش الحاضر البغيض إذن ما فائدة معرفة أصلنا إذا كان ما آل إليه حالنا ليس بالخير ، فإذا كان من العمق معرفة من أين جاء الإنسان فإن من بعد النظر معرفة إلى أين هو ذاهب ، فأيا كان شكل الماضى فإننا لا نستطيع فعل شىء حياله بينما نستطيع فعل الكثير من أجل المستقبل ، وفى النهاية سيظل الإنسان هو الإنسان ذلك الكائن الحى الذى خلق فى مفترق عدة طرق ليختار بنفسه ونفسه وحده طريقه مهما كانت الظروف ومهما كانت المعوقات والمغريات فى كل طريق فهو وحده عليه اختيار طريقه مهما اختلفت الصور فالعامل الفاضل والعالم الفاضل كلاهما صاحب فضيلة فاختيار المرء إنما هو للمبدأ الذى سيعتنقه أما الصورة التى سيقدم من خلالها ذلك هى وحدها ما قد تتحكم فيها الظروف ، لذا الانسان هو المخلوق صاحب العقل والارادة القادر على اختيار مصيره والمسؤل الوحيد عن هذا الاختيار وأيا كان أصله وابتداؤه فهو المسؤل عن نهايته مسؤلية كاملة وهذا هو المهم

إنجى همام 1994


البقية الحلقة القادمة

إنجى همام 2008

الاثنين، يونيو 23، 2008

نضال الحوارى !!!


امبارح حكيتلكم عن المؤتمر اللى رحته بتاع المدونيين وقلتلكم عن التهمة العجيبة اللى اتكلموا عنها كتير بس فى الحقيقة لسه فى كلام عاوزة أقوله ،كان فى حاجة غريبة تانية لفتت نظرى واستفزتنى جدا وهى آراء الناس اللى انقسمت لنصين ،نص علق على نغمة خليكم شطار وحلوين واسمعوا كلام الكبار عشان نحبكم ونجبلكم حاجات حلوة ولما نقول أو نعمل حاجة أى حاجة يعنى لما نملص ودان حد فيكم ده عشان مصلحة البلد ومصلحتكم طبعا احنا عاوزينكم شطار وقمامير وتشرفونا قدام الدنيا هو احنا عندنا مين غيركم عشان نهتم بمصلحته وكلام كتيييير من النوع ده ، أما النص التانى "هو مش النص بالظبط عشان ما نظلمش حد كان فى شخصيتين تلاتة مش فى أى من الفريقين " المهم الفريق التانى كان بيقول ايه بقى كان بيقول اتكلموا زى ما انتم عاوزين وشايفين واعملوا ما بدالكم مهما كان أو هنتكلم زى ما احنا عايزين وشايفين وما حدش له دعوة خالص "هنشتم ونزعق ونقول كلام خارج احنا حريين اللى مش عاجبه ما يدخلش المدونات بتاعتنا !!والغريب التأكيد على جرأة البنات فى حكاية البذاءة دى أكتر من الولاد عاوزين يثبتوا عكس الشائع البنات خجولة وبتنكسف لأ احنا ناس جامدة قوى ومش من دول مفيش فرق بينى وبين الولد خالص ازاى هو يبقى قبيح وأنا مهذبة وبعدين نقول مساواة وبصراحة البنات فعلا تفوقت ما شاء الله ، لا حول ولا قوة إلا بالله هو يا جماعة الناس ما تعرفش تتكلم بالعقل فى البلد دى أبدا يا أبيض يا أسود مفيش وسط يا وصاية وتلجيم يا قلة أدب وقلة ذوق ، والحقيقة أنا مش عارفة مين الأبيض ومين الأسود الاتنيين أسود من بعض ،بالذمة هو ده النضال !!مش دول ناس جامدين قوى ومقاتلين ومناضلين وقابضين على الجمر هى خناقة فى حارة ؟؟! ليه الناس ما تتكلمش بالأدب ما هو الأدب فضلوه عن العلم والله وبعدين ده احنا ناس سلاحها الكلمة يعنى شىء راقى جدا ومحترم جدا ليه نشوهه ؟؟طريقة الشوم والقباقيب والطرقعة دى مكانها مش هنا أبدا دى شغل البلطجية مش الكتاب ولا حضراتكم ايه بالظبط ؟!
حرام نشًوه أجمل وأقدس رسالة " ا ل ك ل م ة " ، ياترى بلدنا هتكسب ايه لما نسب ده ونلعن ده ونطلع عين أم ده على الورق وبالكلام ، اللى حقيقى يدين الناس الفاسدين تقديم وثائق وحقائق ومستندات تثبت الفساد والظلم والبلطجة لكن بلطجة الكلام عمرها ما تكون رد على بلطجة الأفعال ، وبعدين بقى هما دول المدونيين العظماء اللى سمعتهم زى الطبل فى البلد وتلاقى اللى يدخل على مدونة من دول يلعن المدونيين واللى بيدونوه وفعلا ما يدخلوش المدونة دى تانى ولا غيرها ، هو ده التقدم يا تقدميين ؟هى دى الحرية والثورية ؟! حرام
والله انا شفت مدونات كتير روعة فيها فن تشكيلى وتصوير فوتوغرافى وأدب وفكر ونقد وعمر ما حد جاب سيرتهم ولا عمل لهم هوليلة كدة !مش عارفة أقول إيه بصراحة
كلامى طبعا لا هيعجب الثائرين المناضلين ولا أصحاب الوصاية واللجام ولا هيغير ولا هيأثر فى دول ولا دول ولكن يمكن يأثر فى ناس تانية ويعرفها ان مش كل المدونيين 00000ولا بلاش ،وكمان يعرف جيل جاى ان فى طريق تالت ووجهة نظر تالته ورابعة وخامسة مش يا أسود يا أسود وكمان أنا برضة بقول رأيى وأنا حرة واللى مش عاجبة ما يفتحش المدونة بتاعتى !!!!


إنجى همام

التهمة نشر غسيل !!!


فلتسمحوا لى قطع سلسلة "مذكرات كاتبة متعطلة عن الكتابة" لكتابة تدوينة من يوميات كاتبة عائدة للكتابة


اليوم ذهبت لحضور مؤتمر بعنوان" تداعيات استخدام الشبكة الإلكترونية وحرية مستخدميها"
بدعوة من المجلس القومى لحقوق الإنسان ،ناقش الحضور الظاهرة محليا وعالميا وتم عرض احصاءات حول ذلك بعدها قدم البعض شهادات حول تجربته ليس مع التدوين وإنما مع تداعيات ذلك ، وحيث أن المجلس القومى لحقوق الإنسان هو من نظم المؤتمر فقد عنى تحديدا بالمدونات السياسية وتجارب أصحابها وما تعرضوا له من ضغوط ومشكلات بسبب التدوين وقد ترددت جملة لافتة طوال اليوم على مدار الجلسات وهى أن التهمة التى تعرضوا هم وزملائهم للتوقيف أو الإعتقال أو التعذيب أو ما شابه ذلك بسببها كانت تشويه سمعة مصر خارجيا أو بعبارة ترددت كثيرا" نشر غسيلنا ولا مؤاخذة اللى مش نضيف قدام العالم"!!!
اسمحولى افك معاكم شوية بقى طب انا وغيرى وغيرنا هنعمل إيه ، الناس اللى شفتها وسمعتها النهاردة بغض النظر عن اتفاقى أو اختلافى معاهم على أى موضوع مهما كان ففى شىء مهم لازم نتفق فيه كلنا ،ياترى تعمل إيه يا انسان يااللى فى أى مكان فى الدنيا لو إنك تفتح شباكك على تلوث مالى الدنيا من مشروع صرف صحى مش متغطى وبمجرد ما تخرج من بيتكم لازم رجلك تتكعبل وتتلوى ميت مرة على ما توصل للشارع العمومى عشان المشاريع اللى بيحفرولها فى الأرض إلى أبد الآبدين ولما تركب ميكروباص مكسر مهكع من غير رخصة عشان مفيش غيره ومفيش رقابة ولما الميكروباص يفضل يتهبد ويترقع بيك ويوقعك ع اللى جنبك طول الطريق بسبب المطبات اللى بقت أكتر من الطريق السليم ولما الميكروباص كل كام يوم يغلى الأجرة مهما كانت المسافة قصيرة وإذا كان عاجب جنابك وطبعا لأنه متأكد من سلامة موقفه ، ولما تنزل منه وتروح تركب المترو عشان تكمل مشوارك الطويل قوى فى بلدنا قصدى فى بلدك ، وتدفع تذكرة مترو بجنيه رايح وجنيه راجع حتى لو ركبت المترو دققتين مش أكتر وبعدين تتعفص وتتعصر من كتر المترو ما بيتأخر ومن كتر ما يقف فى كل محطة والناس مضطرة تركب ما الناس هنا قصدى عندكم مضطرة لكل حاجة بتعملها عشان ملهاش بديل ، وكمان تتخنق عشان مفيش مروحتين على بعض شغالين فى عز الحر والزحمة ده غير انه لازم يعطل من مرتين لتلاتة فى الاسبوع وده العادى فتفضل معلق بين الحياة والموت بدون مبالغة لمدة ساعتين تلاتة عشان توصل مشوار ما يخدش أكتر من ربع ساعة وبرضة لازم تستحمل ولو سألت طب ليه التذكرة بجنية طب هى فين الخدمة طب الملايين اللى بتركب المترو يوميا وتدفع برضه ملايين فلوسها بتروح فين ،أقولك أنا بشوفهم بعينى وكلكم كمان أكيد بتشوفوهم بدل ما يعملوا صيانة للمترو لا يشغلوا تكييف فى المحطات الخانقة اللى تحت الأرض ولا يركبوا مروحة أو يصلحوا اللى راكبة بيفضلوا يكسروا المحطات السليمة السيراميك اللى مفيهوش خدش والبلاط اللى لسه ما لحقش ويبهدلونا ويطلعوا عينا ارشادات وتوجيهات روح يمين اتجه شمال الباب ده مغلق اطلع السلم وعدى الناحية التانية معزورين برضة ماهو ما يصحش يسيبوا السيراميك لما موديلاته تقدم ،الناس تقول علينا ايه قصدى تقول عليكوا ايه منظرنا قدام العالم المهم انى ما بحسش بفرق خالص بين اللى اتشال واللى اتحط ساعات كنت بفتكرهم بيشلوه ويحطوه هو هو تانى يمكن بيضوروا على حاجة تحته ؟؟ يمكن !
وبعدين اكتشفت ان اللى بيشلوه أحسن وأظبط من اللى بيحطوة مزاج الظاهر الموضوع ده غيه واحنا مالنا خلينا فى حالنا نزلنا من المترو رجعنا للشارع المدغدغ ودخلنا أى مكان بلاش حكاية المكان دى عشان ده موضوع كبير نبقى نتكلم فيه براحتنا بعدين ، المهم هنسى ازاى المية والكهربا اللى بيتقطعوا فى أى وقت وأى ظروف حتى لو كانت تخص البلد والناس كلها
ولا الاكل الملوث والزراعة المسرطنة والمية المسممة والتلفزيون الموجه والتعليم المشوه والحرية المصلوبة بتنجلد فى الشوارع والمحاكم والسجون ،كفاية تعبت الله يكون فى عونك يا انسان يا اللى فى بلدكم بيحصل كل ده ،لكن قولى ممكن تنشر ايه إذا كان ده غسيلكم وده قدركم
هنسيب قصدى هتسيب الغسيل ده كدة متخزن ومتخبى فكرك ده ممكن ؟! ماهو هيكمكم ويعفن وريحته هتملا الدنيا مهما نحاول نخبى ، مش يمكن لو نشرناه الشمس تطهره وتطلع منه الميكروبات اللى لابدة فيه ؟الشمس حقيقى ضرورى للموضوع ده هتفيد لو قلبكم على بلدكم بجد أيا كنتم وأيا كانت أكيد إللى يطلع المريض بمكروب فى الشمس قلبه عليه وبيحبه مش عدوه ونحاسبه ونحاكمه ونحاربه .


وللحديث بقية

إنجى همام

السبت، يونيو 21، 2008

الحلقة السابعة :"العظمة أو الجنون بلا خيار ثالث"


ولما كانت الحكاية لم يزل بها تفاصيل حميمة ولما جنحنا خلف "إيفنجلين بوث "لنروى رواية متكاملة عن حكايتى معها ، كان علينا أن نعود الآن لنكمل الحكاية –يعنى نعمل فلاش باك على رأى بتوع السيما –
كان اليوم الأول فى مدرستى الثانوية وكانت حصة اللغة العربية وكان موضوع الدرس نص لعنترة بن شداد " سكت فغر أعدائى السكوت وظنونى لأهلى قد نسيت وكيف أنام عن سادات قوم أنا فى فضل نعمتهم ربيت " وكان الموقف الأول بينى وبين أستاذى "عصام صبحى" أستاذ اللغة العربية لهذا العام ، كان شابا وسيما أبيض البشرة ليس بطويل ولا قصير وليس ببدين أو نحيف ولكن أهم ما يميز شكله هو انك تستطيع أن ترى مصريته بوضوح كغالبية المصريين ، طلب منا الأستاذ القراءة فرفعت يدى راغبة فى ذلك وقرأت فطلب من البنات التصفيق لى ، ومن هذا اليوم صرت فتاة اللغة العربية بالفصل ،كنت أحب اللغة العربية منذ طفولتى لست أدرى هل بسبب أمى التى تعمل مدرسة فى هذه المادة أم بسبب أبى الذى كان يكتب بها شعرا عذبا طالما أنشده على مسامعنا ؟ لذا فكانت للعربية معى قصة طويلة بطول سنوات الدراسة المدرسية ،أما بالنسبة لهذا العام لم يكن هذا أهم ماحدث لى فيه بل كان يوم أن طلب منا الأستاذ "عصام" موضوع التعبير الخاص باختبار نصف العام والغريب أنه طلبه قبل الإختبار بفترة وطلب منا كتابته فى المنزل وإحضاره معنا بعد ذلك وكان موضوع التعبير حول أمانينا الخاصة وأمانينا لوطننا والعالم وكتبت موضوعا مطولا سردت فيه أفكارى وأحلامى بعالم أنضج وأكثر محبة وإخاء وعدل وحرية ووطن أكثر قوة ووحدة وإيمان بالذات
ولم أزد على ذلك فى أحلامى الشخصية شىء فهذا كان جل أحلامى الخاصة جدا
بعدما قرأ استاذى هذا الموضوع صار ينظر لى نظرة لا أعرف لليوم بما أصفها بالضبط ولكنى فخورة جدا بها ، لم يقل شىء بعد القراءة مباشرة ولكنه إنتظر عدة أيام وهو ينظرإلىً هذه النظرة وفى أحد الأيام قال لى أستاذى أمام الفصل اننى لن أكون إنسانة عادية كمعظم البشر ولكنى سأصير من عظماء العالم المؤثرين أو سأصاب بالجنون !!! لن أستطيع العيش إلا هكذا أو هكذا لكن أن أحيا حياة عادية مثل ملايين الناس فهذا مالا أستطيعه !! لم أتعجب من هذا الكلام وقتها إطلاقا فقد كنت أشعر دوما بشىء من الإختلاف والتميز " بلا غرور والحمد لله "
وذلك ليس راجعا لصواب فىً أكثر ما هو راجعا لأخطاء الآخرين ، فقد ترعرعت فى جيل فاقد المعنى والحلم والأمل حتى بأبسط الأشياء ، المال هو أكبر طموحاته ولا شىء قبل ذلك أو بعده معظم من عرفتهم من جيلى كانوا كذلك ولكن لحسن حظى لم أنتمى بعقلى ووجدانى لهذا الجيل وإنما كان لى نصيب كبير إن أردت أن أصدقكم القول من الأمل والأحلام والمعانى الطيبة
لا أستطيع إنكار دور أهلى فى ذلك فهم لهم أكبر الدور فى كل ما صنعته وما سوف أصنعه بإذن الله هذا الذى يلوموننى عليه الآن جوحى وطموحى هم أول من رباه بداخلى فشكرا لهم على ذلك وعفوا إذا كان يزعجهم الآن ، أما بالنسبة لنبوئة أستاذى التى لم أرى فيها الغريب وقتها
فقد ضحكت على مر سنوات عمرى بسببها فلم تزل تطاردنى من حين لحين وكلما واجهت المصاعب والضغوط لازلت أذكرها كحل أمثل لكل معضلة فإذا لم أستطع الصمود فالجنون بديل غاية فى السهولة بانتظارى !!! ،وليس ثمة جنون أكبر من استسلامى لأكون إنسانة عادية بلا أحلام ،فشكرا لأستاذى العزيز ولعلنى أكون عند حسن ظنه



إلى اللقاء فى الحلقة القادمة

إنجى همام

الأربعاء، يونيو 11، 2008

الحلقة السادسة :انتظار


كنت أدرب نفسى دائما على احتمال الصدمات من فرط ما قرأت عن معاناة أصحاب الرسالات سماوية كانت أو أرضية ، كنت أعرف أن طريق الآمال العظيمة مفروشا بالأشوك ،لذا كنت أحدث نفسى فى هذا الأمر طويلا وكثيرا ما أخذت منها العهود والمواثيق على الصبر والجلد فى وجه المصاعب حتى أصل إلى ماتصبو إليه نفسى ،ورغم هذه الخلفية العريضة حول والمعاناة والصبرأدمانى الدرس الأول فى كتاب الصدمات ، كنت أستعد دائما لهذا ولكننىلم أتخيل أنه سيأتى بهذه السرعة والصرعة وفى هذا التوقيت وذلك الموقف ،كنت أتصور أننى ناضجة وقوية بما يكفى لاحتمال عبء المسؤلية التى حملتها لنفسى وتبعاتها ، ولكنى أدركت كم كنت بريئة ساذجة ، ولكن أنا لم أفعل شيئا بعد أى شىء كنت لازلت فى طور الحلم ،فقط بحت ببعض أحلامى المشروعة المسالمة ويبدو أن مجرد الحلم فى مجتمعاتنا صار تهمة يجب المحاكمة عليها كى لا نتهور أكثر ونحاول بلوغ أى هدف ، كان هذا هو الدرس الأول أما الثانى فقدعلمنى أن الناس فى بلادنا لايعنيهم شىء أى شىء سوى مصالحهم وتكفى مجرد إشارة تافهه من أحد البلهاء بل من أغبى الأغبياء توحى برائحة ضرر قد يصيب أحدهم حتى يهد الدنيا ويفنى من عليها دون مجرد سؤال أو تفكير حتى فى من وشى وضد من !!!، هذه بلادنا هذه أقدارنا هكذا تعلمت .
ذهبت لمنزلى هذا اليوم ولم أتفوه بكلمة مما جرى معى فى هذين اليومين العصيبين
لا أعلم إن كان هذا خطأ أم صواب هل كان سيتغير الوضع لو أخبرت أحد ؟؟الله أعلم ولكن ما دفعنى للصمت هو أننى آليت على نفسى تحمل مسؤلية خياراتى وحدى دون أن أورط أى أحد معى ،أشفقت على أهلى من هذا العبء النفسى وحملته وحدى ،دخلت من باب بيتنا ككل يوم فى هدوء ولكن بدلا من استكمال معركتى استعدادا للإمتحانات كما اتفقت مع رفيقاتى ،بدلا من هذا دخلت فراشى واختبأت به وأوجاعى ، غطيت جسدى الذى لم يكن به من شىء يمت للحياة بصلة سوى الوجع الرهيب كنت أشعر بألم فى كل خلايا جسدى ألم مادى صادر من صميم روحى لا أذكر انى تألمت هكذا من قبل أو بعد ، لم أنم أو أصحو فقط تمددت فى فراشى طوال اليوم تمدد الموتى فى القبور وفى المساء خرجت كى لا يلحظ أحد أمرى ، كانوا يشاهدون التلفاز وكان البيت مزدحما بكثير من أقاربنا على غير العادة ،جلست معهم أمام مسلسل الثامنة كانت القناة الأولى تعرض المسلسل الموجع "خالتى صفية والدير" للعذب المعذب بهاء طاهر
وكانت الحلقة التى اتهموا فيها " ممدوح عبد العليم " ظلما وربطوه فى شجرة وقام عمه بجلده ،شعرت بكل ضربة سوط وكأنما هى على جسدى ،كان القدر يلعب معى لعبة المرايا وكانت الحلقة التلفزيونية ليست أكثر من عاكس لوجعى الذى لم أسمح لأحد أن يلحظه
لا أذكر كيف مضت أيامى التالية بالضبط ولكنها كانت أشبه بالغيبوبة التى تصيب من يتعرض لصدمة لا يقوى على احتمالها ،لازمتنى هذه الغيبوبة حتى بقى على امتحان الثانوية العامة أقل من شهر ، كنت أتململ فى فراشى حينما باغتنى هذا الخاطر –لن نستطيع فعل شىء مؤثر إذا لم نكن ذوى قدر ومكانة فى هذا المجتمع – هذا الكلام الذى حدثت به زميلاتى عندما قررنا المذاكرة قبل أى شىء آخر ، شعرت كما يشعر من يرى الحقيقة للمرة الأولى ،انتفضت من سريرى وامسكت كتبى وقسمتها فى جدول للمذاكرة ولكن وحدى فزميلاتى محرم علىَرؤيتهن ،قضيت أوقاتا رائعة مع الكتب ولكنها كتب المدرسة هذه المرة كان سباقا مع الزمن فالإمتحان بقى عليه ثلاثة أسابيع وعلىَ مذاكرة منهج سنة كاملة ، ثلاثة أسابيع تفصل بينى وبين الكينونة والعدم وحرصت على أن أكون وساعدنى الله الوحيد الذى كان يعلم بأمرى
وجاء يوم الإمتحان .
لم أكن يوما عضوا فى الجمعية المصرية للغش فى الإمتحانات ،ليس عن تعفف ولكنها مسألة قدرات وتركيبة شخصية ، أحيانا كنت أجلس فى لجان يغش فيها أول طالب فى اللجنة من آخر طالب فيها بمعاونةالمراقبين وأنا صامته حتى لوظلت ورقتى بيضاء للنهاية ، إنها عادة أصيلة فىَ منذالصغر ،أذكر يوما فى امتحان الرياضيات بالشهادة الإبتدائية دخل مدرس المادة الذى يدرسنى فى الفصل وأجاب لنا عن بعض الأسئلة ووجدت بعض الإختلافات بين ما كتبت وما قال فغلبت ثقتى فى نفسى على ثقتى فى أستاذ المادة ولم أغير الإجابة !!وبالطبع كان هو على حق عرفت ذلك بعدما خرجت من اللجنة ولكنى لا أحب الإعتماد على أحد مهما كان ،تركيبة شخصية !!!
أما فى امتحان الثانوية العامة فقد غيرت منهجى بعض الشىء ، كانت إحدى الفتيات فى حلف الشر الصغير سالف الذكر تجلس إلى جوارى فى لجنة الامتحان ولم تخجل بعد كل ما فعلوه أن تطلب مساعدتى فى الإجابة ولم أتأخر أنا عنها تحديت مبدئى لمساعدتها وقفت أمام خجلى من موضع كهذا لهذه المرة فقط لأدفع بالتى هى أحسن فقد يصير الذى بينى وبينه عداوة ولى حميم ،كنت لازلت مصرة على خيارى مساعدة الآخرين مهما كانو ومهما فعلوا ولو بى شخصيا ،كنت ألقنها درسا ما ترى هل وعته ؟؟ ذلك من أجل الوصول ليوتوبيا تسكن فى ضميرى أتمنى ألا تكون به وحده فهذا الحلم لازال ساكنى فى انتظار يوم أحققه فيه ولكن مع بعض التعديل

إلى اللقاء فى الحلقة القادمة


إنجى همام

الثلاثاء، يونيو 10، 2008

الحلقة الخامسة : مدرسة المشاغبين "عفوا المشاغبات"




كان الزى المدرسى الخاص بمدرستنا عبارة عن قميص أبيض وتــنورة كحلية اللون وكنت أقوم بثنى أكمام قميصى حتى المرفقين أما تـنورتى فكانت واسعة ذات كسر وكانت تحت ركبتى تماما ، وشعرى كنت أصففه على هيئة ذيل الحصان مثل معظم بنات الثانوى أما " زينب" زميلتى التى لم توافق على مشاركتنا فى الحركة الإصلاحية التى كنا ننوى العمل بها فكانت ترتدى تـنورة طويلة وقميص له أكمام مفرودة ومقفلة الأزرار كما كانت ترتدى فوق رأسها خمارا وأعتقد انها الفتاة الوحيدة بالمدرسة التى كانت ترتدى مثل هذا الزى ، أما مدرستى الحبيبة فكانت صغيرة جدا فلم يكن بها سوى ثلاث فصول لكل صف دراسى وفناء صغير به حجرة للسكرتارية وما يشبه مبنى صغير من طابق واحد تقع فيه غرفة مدير المدرسة وصاحبها وقبل الوصول لغرفة المدير كان هناك مساحة صغيرة كنا نقف عليها كل صباح لتقديم الإذاعة المدرسية ، كنت أقوم بإعداد موضوعات صغيرة حول المجتمع والأحداث الجارية وأقوم بقرائتها كل صباح وأحيانا كنت أقوم بإلقاء قصيدة شعرية تتغنى بحب الوطن من تأليف أبى أو شاعر آخر وفى هذا المكان أيضا مكان تقديم الإذاعة كان أساتذتنا يقومون بتكريم المتفوقين وأذكر اننى برغم صعودى كل صباح للمشاركة فى الإذاعة إلا اننى كنت أتعثر على تلك السلالم من الخجل أثناء تسليمى هدية من أحد المدرسين ،كان جميع المدرسين والطلبة يعرفوننى جيدا بسبب رؤيتهم لى كل صباح فى الإذاعة حتى اننى كنت أقابل بعض الفتيات اللاتى لا أعرفهن فى الشارع يقفون لسؤالى عن شىء ما فأجدهم ينادونى بإسمى" إنجى همام" وحينما أسألهم هل نعرف بعضنا من قبل ، فيردون إن اسمى وصوتى يرن فى المدرسة كل صباح فكيف لا يعرفوننى .
لست أعرف سبب هيامى بمدرستى واصرارى على الاستمرار بها رغم بعد المسافة بينها وبين بيتنا ورغم أن والدتى عرضت على أكثر من مرة أن تسحب أوراقى وتحولنى للمدرسة التى تعمل بها والتى تقع قريبا جدا من بيتنا ، لكن حبى لمدرستى واعتزازى بها دفعانى للرفض ، كنت أعشق الفصول والأساتذة وزميلاتى أعشق هذا الطراز القديم التى بنيت عليه فقد كانت فيلا قديمة قبل أن تتحول لمدرسة ، كنت أعشق الرمل الذى تخطو عليه أقدامنا فى فنائها وأعشق حتى التراب العالق على اللوحات التى تزين جدرانها ، وأحب الجميع بإختصار لم يكن لى عداوات مع أحد ، كانت مدرسة خاصة صغيرة وجميلة وقد يكون ذلك الجمال فى عينى وحدى ولكنه الحب الذى كانت تضحك عليه زميلاتى وأفخر به كل الفخر ،وفى مدرستنا كما فى كل مدرسة كان هناك بعض الطالبات المشاغبات اللاتى لا يولين اهتمام بالدراسة وانصب اهتمامهن فقط على اللهو والشغب والسخرية من المدرسين قبل التلاميذ وكانوا معروفين جدا للجميع فى هذه المدرسة الصغيرة ، فلم تكن تنتهى حصة إلا وإحداهن محولة من قبل أحد المدرسين إلى ناظرة المدرسة ، وكنا سخرية هذا الموسم "أنا وزميلاتى فى حركة الإصلاح سالفة الذكر "حينما سمعتنا إحداهن ذات مرة نتحدث فى هذا الموضوع وجائتنى سائلة - إيه الحكاية ؟!- ، أعرف اننى لوشرحت لها ستزداد سخريتها ولن يغير كلامى من أمرها شيئا ،لذا قلت لها اننا نحاول تشجيع وتحفيز أنفسنا من أجل المذاكرة وكل ما نفعله هو مساعدة بعضنا البعض ، فكل واحدة تجيد مادة من المواد الدراسية تعد فيها ملخصات وتقوم بشرحها للأخريات ،ولم أكن أكذب عليها لأن هذا ما كنا نفعله تماما ، فقط لم أحاول أن أشرح لها ما نود فعله فى المستقبل من مساعدة الآخرين فى مجتمعنا العربى فكريا ومعنويا وماديا إذا توفقنا فى ذلك ، لم تقتنع هذه الفتاة بكلامى وذهبت لحلف الشر الصغير التى هى أحد أفراده وعقدوا اجتماعا موسعا قرروا فيه القضاء على مستقبلى و زميلاتى فى حركة "أصدقاء هابيل" ، لا أعرف حتى اليوم ماذا قالوا ولمن بالضبط ولكن ما أعرفه جيدا أن ما حدث لى فى صباح اليوم التالى كان نتيجة هذا الإجتماع
فى هذا الصباح استدعانى "مستر سمير" صاحب المدرسة ومديرها ، فصعدت تلك السلالم التى كنت أصعدها كل صباح للحديث فى الإذاعة المدرسية وأحيانا لتكريمى من قبل أحد المدرسين ،ولكن تلك المرة أكملت السلالم حتى وصلت لغرفة المدير ، دخلت عليه بتنورتى القصيرة وشعرى المقصوع على هيئة ذيل الحصان فوجدت هناك "زينب" التى كان لديها فى هذه اللحظة مشكلتين أولهما انها كانت ترتدى الخمار وثانيهما انها كانت صديقتى ، لا أذكر نص كلام المدير ولكنىأذكر معناه الذى جعل الأرض تهتز تحت أقدام طفلتين واجههمابكل تهديد ووعيد وأمرهما بالجلوس فى البيت وعدم الحضور للمدرسة حتى موعد الإمتحانات النهائية وإلا ليس نحن وأسرنا فقط من سنذهب فى رحلة خلف الشمس بل من قال لنا يوم صباح الخير ولو بدون سابق معرفة ،كان ذلك بعد أن وجه لنا الإتهام بالعمل مع أحدى الجماعات الإسلامية أو الإرهابية التى كانت تشكل فزعا رهيبا يملأ أرجاء مصر فى هذا الوقت بالذات!!! بمنتهى البساطة وبدون أى تحقيق أو سؤال أو حتى فرصة لأى منا أن تتفوة بكلمة واحدة تحاول فيها إيضاح الأمر أو الدفاع عن نفسها ، بمنتهى البساطة تم الحكم الذى اعتبروه رحيما رؤوفا علينا بمجرد شكوى من أتفه تلميذات المدرسة وأكثرهن إنحرافا وفى حق من ؟! حق أكثر التلميذات خلقا وعلما وطموحا بشهادة اللجميع ، ألم تلفت تـنورتى القصيرة نظر "مستر سمير" هل هناك فتاة تقترب من الجماعات الإسلامية يكون لها مثل هذا المظهر؟!
وهل كل من ارتدت الخمار كان حتما ولابد أن تكون على صلة بهم ؟ ، صدر الحكم دون سماع المتهمين وتم تهديدهم إذا نبسوا ببنت شفاه لأى مدرس فى المدرسة ، نزلنا الدرج وخرجنا فى صمت لكن "زينب" ظلت تبكى طول الطريق وتذكرنى بأنها ليس لها أية علاقة بما فعلته أو تحدثت فيه مع أحد و فعلا كانت هى الوحيدة التى رفضت المشاركة معنا حتى فى الحوار ،طلبت منى أن أتصرف أن أحاول مقابلة المدير فى الغد وشرح الأمر له ، أمرها هى انها لم يكن لها بنا صلة وصرنا وصمة عار ترجونى أن أمحو صلتها بها !
فى صباح اليوم التالى ذهبت للمدرسة وحينما رآنى "أستاذ عبد الستار " فى طابور الصباح تغيرت ملامحه وبدا عليه الإنزعاج الشديد وكل ما فهمته من ردة فعله هذه هو خوفه على نفسه من أن يتهم انه على صلة ما بنا !!!، صعدت لفصلى بعد الطابور وكان أول من قابلنى وأهتم بالحديث معى نفس الفتيات التى حدث لنا ذلك كله بسبب رواية لا أعرف كيف ولماذا اختلقنها ، سألونى ماذا حدث وحاولوا طمئنتى والإطمئنان على َ وأقسمن لى أنهن لا يعرفون سبب ما يحدث ولا علاقة لهن به ، وصدقتهن !! وذهبت لمقابلة المدير بثقة أنه سيتفهم الأمر والموضوع سوف ينتهى ، صحبتـنى إليه "مس ميرفت المشرفة"والوحيدة التى علمت بالموضوع بعد المدير وناظرة المدرسة ،دخلت للمدير وقبل أن أنبس ببنت شفاه قابلنى مقابلة أشرس عشرات المرات من اليوم السابق و أكد حكمه وشفعه بكلمات رقيقة بعض الشىء حول فرصة المذاكرة التى ستوفرها لنا هذه الإجازة الإجبارية وانه يتمنى أن يحصل لإبنته على مثلها ولكنه لا يستطيع .
البقية فى الحلقة القادمة
إنجى همام

الاثنين، يونيو 09، 2008

الحلقة الرابعة : أصدقاء هابيل


يتكون بيتنا من ثلاث غرف وصالة صغيرة غرفة لأبى وأمى وغرفة لاستقبال الضيوف وغرفة لى واخواتى ، وهذه الغرفة بها سرير من ثلاث طوابق تبادلنا النوم فيهم كثيرا ولكن فى تلك الفترة كنت احتل الطابق الأعلى حيث أصعد ومعى كتب وأوراق المذاكرة والمدرسة وفى طياتهم كتاب من تلك السلاسل الرائعة " المختار أو كتابى أو الهلال " وأعيش حالتى المقدسة من القراءة والكتابة التى لا يستطيع أحد حرمانى منها فليس هناك من يعرف عن أمرها شىء
فى أحدى هذه الليالى تعرفت على " إفنجلين بوث "كنت فى الثانوية العامة ودوامة الأحلام تعبث بى وتدعونى لتغيير العالم لأنها رسالتى التى من أجلها خلقت ، ولكن كيف ؟
أخذتنى هذه الفتاة وتجربتها غير أن أساليبهم فى جيش الخلاص لم تكن مناسبة لعصرنا فأخذت فى تطوير الفكرة بما يناسب متغيرات العصر ، وقررت أن أقود حركة للتغيير ، كانت فكرتى تشبه فكرة الأمم التحدة ولكن للشعوب كنت أتمنى أن تكون حركة عالمية نناقش فيها قضايا أوطاننا وهموم الشعوب و طموحاتها ونتخذ فيها قرارات من الشعوب ولأجلها ، بعدها حاولت التواضع وتقليص الفكرة فقصرت البداية على وطننا العربى ثم يمككنا التوسع فيما بعد !!
أخذت أحلم بوحدة عربية تمنحنا القوة والثقة وتدفعنا للأمام ، لم أكن أعرف مسميات لأحلامى
العريضة ولكنى لم أكن أخفيها بداخلى بل كنت أتحدث وأتناقش مع أصدقائى و أولهم أبى الحبيب رحمه الله ، فى البداية قلت له سأسمى تلك الحركة" أصدقاء هابيل" وذلك من منظور انسانى حينما كنت أبغيها حركة عالمية تناقش قضايا الانسان وتحاكم النفس البشرية على خطاياها وتعمل على عدم السماح بتكرارها ، حينما قلت لأبى ذلك الاسم المقترح ضحك وقال لى يعنى أصدقاء المقتول ! ولم يعجبه هذا الفأل ، بعدما قصرت فكرتى على منطقة الوطن العربى مبدئيا ،ناقشت الفكرة مع بعض زميلاتى فى المدرسة وطرحتها أيضا على أستاذ "عبد الستار" مدرس اللغة العربية والذى كنا نعتبره أنا وبعض الزميلات المستنيرات أول صديق من الجنس الآخر ، فهو رجل مثقف جدا وصاحب رؤية وموقف لذا كنا دوما نتناقش معه فى شتى القضايا الفكرية والثقافية وكان يقابل مناقشاتنا بصدر رحب ويوجهنا لما نريد معرفته ، حينما طرحت تلك الفكرة عليه لم يعجبه فيها انها تهتم بنا كعرب وقال ان ذلك يدعى بالنعرة العربية وقد نادى بها من قبلنا جمال عبد الناصر وآخرون ، لم تكن لأستاذنا ميول قومية بل كانت ميولة إسلامية
وكان هذا هو اعتراضه الوحيد ، فيما عدا ذلك لم يعلق على شىء ، المهم كيف سنتحرك ؟فكرت كثيرا وحدثت بعض زميلاتى اللاتى آنست فيهن رشدا وأيضا قابلت بعض من أصدقاء أختى الصغرى التى لم تكن فى مدرستى وكان لها بعض من الصديقات الللاتى يكبرنها ويوازين عمرى أنا ، وكن على درجة من الوعى حدثتنى عنها إيناس أختى الصغرى مما شجعنى على مصارحتهم بفكرتى حتى يكونوا شركاء فيها بالفكر والعمل ، قمت بجولات لزيارة هؤلاء الفتيات عرضت عليهن أفكارى التى طورتها من فكرة " إفنجلين" ، وهى استبدال الساحات الشعبية بوسائل الإعلام وقد اقترحت عليهن فكرة تمكننا من الوصول لهذا الهدف وهى استخدام الإعلان لمسعدتنا ، كان حينها يعرض التلفاز المصرى برنامج شهير جدا هو " كلام من دهب" ففكرت بالذهاب لشركة منافسة لشركة " إريال " التى كانت تدعم كلام من دهب وندعوها لبرنامج منافس نطرح فيه ما نريد من قضايا هادفة وفكر تنويرى جاد بغية جذب الناس فى بلادنا نحو موضوعات حقيقية ومؤثرة فى حياتهم ، بعيدا عن برامج التضليل والتشوية وتدمير أفق ومخيلة أجيال قادمة ، وعن المساعدات المادية التى سنقدمها للمحتاجين فقد اقترحت التوجه لبعض رجال الأعمال لدعمنا فى ذلك ولمسعدتنا فى اصدار جريدة أو مجلة يضعون فيها ما شاؤا من دعايا تخصهم ولكن ننفرد نحن بالتحرير الذى أردناه على نفس نهج البرنامج التلفزيونى المزمع عمله ، بناء وتنويرى وجاد ، كلام جميل ؟! كلام جميل ، اقترحتْ علَىً بعض الزميلات مسميات لهذه الفكرة لها علاقة بالدين الإسلامى فرفضتها بحزم وقلت لهن إن ما أريده شىء يخص الناس جميعا ولا يرتبط بدين أو عقيدة وبما اننى قصرت الفكرة على العرب إذن فكل عربى معنى بنا ونحن كذلك ولهذا قررت اشراك زميلة مسيحية معنا للتأكيد على فكرتى التى لاتمت للأديان بصلة
أعجبت الفكرة من عرضتها عليهن جميعا باستثناء زميلة واحدة كانت تدعى "زينب" قالت انها لا تريد الاشتراك فى شىء ولا تهتم بشىء سوى المذاكرة فتركتها وشأنها
وبعد تفكير جاد وجدنا إن ما يمككنا فعله هو أشياء صغيرة وبدايات بسيطة ولكنها هامة وأهم ما فيها انها تربطنا بفكرتنا و تؤكد على تمسكنا بها ، وتمثلت فىالمحافظة على نظافة بلادنا وترشيد استهلاك المياه والكهرباء لذا كنا نتطوع بتنظيف المدرسة ومتابعة صنابير الميا للتأكد من عدم تسريبها للمياه وأشياء من هذا القبيل كان أهمها هو الاستذكار الذى نسيناه فى خضم الأحلام العظيمة وبما انى كنت صاحبة الفكرة التى شغلتهم بها عن دروسهم اقترحت عليهن بناء أنفسنا أولا ، فقلت لهن علينا أن نكون ذوات شأن فى المجتمع حتى يتثنى لنا فعل ما نريد وبدأنا حرب المذاكرة لخوض الثانوية العامة التى بقى على اختباراتها أقل من شهرين ، عزمنا على النصر أقصد النجاح والتفوق وقررنا تجاهل كل المعوقات مهما كانت ،لذا وفى يومنا الأول من هذا الاتفاق ذاكرنا جميعا ما حددناه لأنفسنا سويا رغم ما اعترضنا من عقبات عائلية غير متوقعة .


إلى اللقاء فى الحلقة القادمة


إنجى همام

الأحد، يونيو 08، 2008

الحلقة الثالثة "المسؤلية "


لا أذكر متى توقفت عن قراءة ميكى وبطوط والكابتن ماجد ولكنى أذكر جيدا أننى انتقلت منهم مباشرة إلى كتب هى الأهم فى بناء عقلى وهويتى فى حياتى كلها وكانت كتب " الهلال و المختار وكتابى "هذه السلاسل القيمة التى تربت عليها عقول أجيال قبلى ، ولحسن حظى انها كانت تملأ بيتنا ،لازالت روحى تنتشى بذكرى عبق أوراقها الصفراء ، لازلت أذكر أغلفتها القيمة التى كانت دوما من أعمال لفنانيين عالميين وجلدة الكتاب التى تستغل للمأثورات وأقوال العظماء ،وفصولها الثابتة فى قاموس المعرفة السياسية والفنية والفكرية
لم أمر يوما على سلسلة أدهم صبرى والرجل المستحيل وتلك الكتب التى لم أقابل أحدا من جيلى لم يقرأها ، كانت أمى تهدى هذه الكتب دائما لأبناء خالتى وبناتها المقيمين بالخارج حينها ، أذكر أنها كانت تستقبلهم وتودعهم بها ولكنها لم تشتريها لى يوما وكذلك لم أطلبها أنا أبدا لا أعرف السبب ولهذا ظللت آخذه من هذه النوعية من الكتب والكتابات موقف لليوم ، لا أظنها تبنى عقلا أو تصنع فكرا فكل ما أعرفه عنها أنها قائمة على المغامرات والإثارة وتلك الإثارة لم تثرنى يوما ولكن ما أثارنى دائما هو الفكر والمعرفة ، تعلمت من سلاسل الكتب القيمة سالفة الذكر الكثير ، كانت تلك كتب أبى الذى هو أول وأكثر من شجعنى على القراءة والكتابة فهما عصب حياته وحياتى ، قرأت ترجمات الأدب والفكر العالمى وعشت برفقة عقول أناس غيروا وجه التاريخ ببدايات صغيرة ومتواضعة لكنها طموحة ومثابرة وعرفت نقاط التحول فى حياة هؤلاء البشر وشعرت بشىء قوى يربطنى بهذه الأجواء ، أجواء التغيير والبناء بناء الحضارة الإنسانية ، وتكون لدى عقل نقدى ومتأمل وآمل فى تغير أحوالنا التى لم تعجبنى يوما ، كنت كلما واجهت مشكلة ما أو صادفت ما يؤلمنى من الحياة أضع أمامى شىء واحد المسؤلية التى حملتها لنفسى تجاه وطنى وتجاه البشر ، أذكر اننى كنت أستقل مترو الأنفاق يوميا لأذهب لمدرستى الثانوية وفى كل يوم كنت أنظر للناس فى محطة المترو وأقول لنفسى ان علىَ احتمال أى شىء من أجل هؤلاء الناس ! كنت أشعر بمسؤلية حقيقية وكبيرة تقع على عاتقى تجاههم ولا زال هذا الشعور يلازمنى لليوم ، شعور بالرغبة فى مساعدة الآخرين ، فكرياومعرفيا قبل أى شىء آخر ،لأن هذا النوع من المساعدة هو الذى يمكننا من خلاله تغيير أى شىء فى حياتنا كأمة بأكملها وليس كل فرد على حدا ، لذا سيطرت على َ شهوة اصلاح العالم التى تحدث عنها شللى والتى تتملك أصحاب الرؤى المغايرة والإيجابية التى تؤمن بأن لكل منا دور عليه تأديته تجاه نفسه ووطنه والعالم .
من أهم الشخصيات التى قرأت عنها وأثرت فىَ فى تلك المرحلة شخصية فتاة بريطانية تدعى "إفنجلين بوث " قائدة جيش الخلاص بإنجلترا فى القرن السابع عشر الميلادى ، تبدأ حكايتها منذ كانت طفلة صغرى لقس انجليزى لم تبلغ السابعة بعد وكانت ترى والدها الذى هجر الكنيسة لأن من يعرفون طريقها لا يحتاجون للوعاظ واتجه نحو الحانات وأوكار الرزيلة لينصح مرتاديهم ويوجههم للوجهه الصحيحة ، كانت إفنجلين ترى والدها يوميا عائدا والدم يسيل من جسده من اعتداء المنحرفين والخارجين على الفضيلة الذين ينصحهم ولا يعجبهم قوله ، أما هى فقد فرضت على نفسها فرضا من تلقاء نفسها وهو أن تترك اللهو مع الصغار وتخلع ملابسها النظيفة الجميلة وترتدى ملابس بسيطة مثل أبناء الفقراء وتقف لتبيع الأزهار فى الشارع حتى تشعر بما يشعر به هؤلاء المساكين ، وفى المساء كانت تضع عرائسها أمامها وتقف لتعلمهم الفضيلة وتحدثهم عن الأخلاق ، كبرت الطفلة وأحلامها وإيمانها معها ورغم انها كانت الإبنة العاشرة لهذا القس إلا انها هى التى ورثته وخلفت مكانه ولكن بتوسع أكبر فقد كونت من أصدقائها وتلاميذها جيشا اسمته جيش الخلاص ، لم يكن يحارب هذا الجيش كسائر الجيوش بالآلات العسكرية وانما كان سلاحه العمل الصالح والكلمة الطيبة ، كانوا يساعدون الفقراء والمرضى ويقفون بجوار اليتامى والأرامل وينصحون المنحرفيين والفاسدين ، كانوا يقفون يخطبون فى الناس فى الميادين والشوارع ويجوبون الأحياء الفقيرة الموبوءة لمساعدة من فيها ، ذاع صيت إفنجلين وجيشها فىسائر بلدان أوروبا وطلبها الملوك والأباطرة لمحاربة الرزيلة فى كثير من بلدان العالم وانضم إلى جيشها كثير من المناضلين كان بعضهم من أعدائها فى البداية ثم تحول طريق حياته على يديها فأصبح من أنصارها والعاملين فى صفوف جيشها
كم أعجبت بها ولا زلت ،أما ما قد تورطت فيه بسببها سيرد فى الحلقة القادمة

إلى اللقاء فى الحلقة القادمة

إنجى همام

الجمعة، يونيو 06، 2008

الحلقة الثانية "سنة أولى كتابة "


أول شىء كتبته فى حياتى كان أغنية فى عيد الطفولة ، كنت حينها فى الصف الرابع الإبتدائى كان اسمها " إيد على إيد " أذكر هذا اليوم جيدا كان يوم الأثنين وعدت من مدرستى سعيدة جدا ، كان الجو جميلا لاحارا ولا باردا ووقفت فى الشباك الصغير فى حجرة جدتى وأخذت أدندن فألفت الأغنية ولحنتها وأخذت أرددها طوال اليوم ثم طوال السنة و حفظَتها لأختى الصغيرتين وزميلاتى فى المدرسة ، ولا زالت أختى إيناس تحفظها حتى اليوم وترددها حينما تريد مداعبتى ، منذ ذلك اليوم و أنا أشعر بوجود فيض من كلام لازال الكثير منه حبيس روحى أو بعنى أدق لم أقل شىء مما أريد بعد ، المهم، جاءت غنوتى التالية وأنا فى الإبتدائية وذلك بعد عام تقريبا من غنوتى الأولى فقد كنت من أول من طبق عليهم إلغاء سنة "ستة" ، حينها كنت نضجت أكثر أو هكذا كنت أشعر لأنى عرفت أكثر ، عرفت أن هناك أطفال فى سنى يبادون كل يوم ، أطفال خبئوا طفولتهم فى صناديق ألعابهم المحطمة واستبدلوا تلك الألعاب بالحجارة
لأنهم كلفوا بأخذ ثأر أهليهم الذين لم يبقى منهم عائلا يقوم بهذا الدور سوى أنامل البراءة هذه التى لم تجد سوى الحجارة سلاحا يمكنها أن تبلغه ، كنت أسمع عنهم فى نشرات الأخبار و أرى صورهم فى الجرائد وتأتينى أشباحهم فى الحلم ، ولم أجد من مفر لحل هذه الإشكالية التى صارت تطاردنى صباح ومساء ، فاختلقت وهما عشت به ، قد يكون من الصعب الآن تخيل هذا فأطفال الحادية عشرة اليوم قد يتقنون الكمبيوتر والإنترنت أكثر منى الآن فلم تعد لديهم خيالاتنا الجميلة ، أما أنا فقد تخيلت عصا سحرية موجودة بالفعل ولكنى لا أعرف مكانها وصرت أدعو ربى صباحا ومساء أن يدلنى على مكانها حتى أستطيع بها محو شرور العالم ظللت هكذا نحو عام أو يزيد ، وجاءت أغنيتى الثانية لهذا الحلم فكانت تقول " يا عصايتى يا سحرية يا اللى فى أى مكان لبسينى طرحة يااللا وفستان ونطير فى سلام ونطير فى أمان راح أخلى فلسطين أجمل بستان بستان للعطف والحنان بستان للحب والأمان "لا أذكر باقى كلماتها ولكنى أذكر المعنى ، فقد كنت أحلم أن أملك هذه العصا فأبيد الصهاينة ثم أعود لكل طفل وطفلة أوزع عليهم اللعب والهدايا والحلوى وكل شىء يتمتع به الأطفال فى أى مكان ، وأخذتنى الحيرة حينما فكرت مليا فى أمر الصهاينة ، هل أشير بها عليهم فيموتون أو يختفون ؟، لم تعجبنى هذه الفكرة لابد من محاربتهم وهزيمتهم هزيمة شريفة فى حرب شريفة ، إذن فماذا نحتاج ؟ السلاح لا ينقصنا سواه سأطلب من عصاي السحرية أن تمدنى بالسلاح وسأقوم بتوزيعه على الجميع ونذهب لمواجهة العدو لندحره ونطرده شر طردة ، عانيت كثيرا لتقبل الأمر الواقع لم يعد هناك مكان لم أبحث فيه عن هذه العصا ولا أذكر متى أفقت من هذا الحلم ولكن أذكر أغنيتى التاليه ،فى الفترة التى تلت هذه المرحلة كنت قد دخلت فى سن المراهقة فظللت بعض الوقت أكتب الشعر العاطفى وأقرأ للمنفلوطى " أدب البصل"كما كان يسميه العقاد ولكن تلك الفترة لم تطل بى أو لم تستحوذ علىَ تلك الحالة وحدها ، فلازال أطفال فلسطين يؤرقون تفكيرى وانضم إليهم أطفال جدد فى بقاع كثيرة من الأرض ، لم أعد أفكر بالحروب وكيفية الخلاص ، بل أخذتنى فكرة أخرى ظللت أقرأ وأكتب فيها حتى وصلت للجامعة ، وهى لماذا ؟؟ لماذا يفعل الإنسان كل ما يفعله من فساد وخراب وإيذاء للأخرين ولنفسه ، ما هى تلك التركيبة البشرية العجيبة جدا التى تستمتع بالدمار ، شدتنى الفلسفة والقراءة والكتابة فيها ورغم هيامى بالأدب ورغم أنه ظل مسيطرا على اسلوبى طوال الوقت ،إلا اننى أقلعت عنه لحين وظللت أكتب نصوصا فكرية أكثر منها أدبية وتطلعت لهذا النوع من القراءات ، فأخذنى سلامة موسى وأنيس منصور وسير عظماء العالم وخصوصا من كان لهم دور فى تغير حال شعوبهم وبلادهم للأفضل ، شغلتنى فكرة التغيير وظللت أحلم به ولكن بعيدا عن السحر وقريبا من الفكر والعمل .

إلى اللقاء فى الحلقة القادمة

إنجى همام

الأربعاء، يونيو 04، 2008

مذكرات كاتبة متعطلة عن الكتابة




"هذه يوميات من نوع مختلف أو قد لا يكون مختلف ولكنها مجموعة من اليوميات المرتبطة ببعضها بشكل تسلسلى اليوم أبدؤها ولا أعرف متى سأنتهى "

مفتتح : ولما كانت الكتابة فعل وجود ولما كنت قد تشاجرت مع سائر مفردات الوجود ، لم يعد هناك من مفر لتعاود شهرزاد الحكاية لتواصل الكتابة ولو لليلة واحدة لربما كانت مهربا من الوجود أو مصالحة معه

الحلقة الأولى "أيام المذاكرة "

الكتابة مثل كل طقس فى الحياة عادة ، كالعمل أو الكسل ،كالنظام أو الإهمال ، كالصلاة أو الإمتناع عنها ، أجل الكتابة كالصلاة فمهما كنا أتقياء محبين لله تركنا الدنيا ومصالحها ومظاهرها وزهدنا فى كل ما قد يغضب الله ولم تعد فى حياتنا نغمة سوى أننا لا نعامل غير الله كل هذا وأكثر ولكن لم نقم الصلاة فهل نكون بحق قريبين من الله؟! ، والصلاة ليست أزمة أو إشكالية أو ان هذا الشخص أو ذاك قد أخذ منها موقفا لذاتها ، كل ما فى الأمر انها عادة ، أعلم انها عادة قد تلازم بعض المدعيين الذين قد لايعرفون الله فى قلوبهم ولكن إذا كان هذا خطأ فالخطأ الأفدح منه هو ترك القلوب المحبة لله بلا صلاة هى صلب العبادة وذلك فقط لأن فلان لم يعتد الصلاة منذ صغره فالتصقت به عادة التفريط فيها

الكتابة كالصلاة هناك من يمارسها لأنه اعتاد وهى ليست أكثر من وسيلة لكسب العيش ماديا وأدبيا ، وهناك من يخط فى دفتر العقل كل يوم صفحات ولكنه لا يسود الورق لأنه فقط اعتاد التأجيل ، غدا سأصلى ، سأبدا من الغد حتى أصلى اليوم من بدايته ، غدا سأكتب غدا تكون الفكرة أكثر نضوجا وتألقا ، غدا سوف ألغى جميع ارتباطاتى واتفرغ فقط للكتابة التى تجرى فى عروقى مجرى الدم ،وغدا أزيد صفحة فى دفتر العقل وربما فصلا كاملا من كتاب ولا أمسك القلم لأكتب ، فما زلت أنتظر غدى الأكثر تألقا ،وفى عقلى وروحى لا تمر ساعة من دون خط بعض الكلمات التى تستصرخنى دوما لأمسك بالقلم ، ولكنى أقنعها أن التأنى أفضل حتى أضع مولودى الجميل فى أكمل صورة ، لم تكن هذه عادتى منذ الطفولة ، بل كنت أكتب دائما وأعشق القلم فى يدى أكثر من أى شىء آخر ولا أذكر حلما لازمنى فى حياتى أكثر من الكتابة والعمل بها كأرقى عمل فى الوجود كأهم وسيلة لتغير العالم للأفضل .
ولكل كاتب عادة وقد اعتدت الكتابة فى عز أجواء المذاكرة اعتدت السهر ليالى الإمتحانات على دفتر خاص أسطر به خواطرى التى لم تكن عن الحب وفارس الأحلام كمعظم الفتيات ، بل كانت حول الناس وهمومها حول الكون والخلق والنفس البشرية ، حول أحلامى لوطنى و العالم أجمع ، أفكار طموحة وجموحة وحالمة لطفلة ترى العالم بعين البراءة ،ظللت أكتب أفكارى وأحلامى فى صورة نصوص نثرية تارة وشعرية تارة أخرى ، تطور اسلوبى ونما معى وظلت عادتى تلازمنى الكتابة وقت المذاكرة وفى عز معمعة الإمتحانات بالذات ،هل كان نوع من أنواع الهروب ؟! الله أعلم ، ولكن عندى تفسير آخر فوقت المذاكرة هو الوقت الوحيد الحميم الذى أختلى فيه بنفسى دون أن يجرؤ أحد على تكليفى بشىء آخر ، ما عدا ذلك من أوقات فهناك دائما تكاليف أخرى تقع على عاتق الفتاة مهما كان سنها ، لذا كنت أقتنص فرصة عزلتى الذهبية وأجلس لأكتب فى معظم أوقات المذاكرةولما ودعت أيامها لم يعد هناك من وقت لى ،خلوة بنفسى أمسك فيها قلمى ولا يسألنى أيا كان ماذا تفعلين
واليوم أعود أعود لأكتب لأقهر عاداتى السيئة ، لن أؤجل عمل اليوم إلى غد قد لا يأتى فمن يدرى ، هى صحوة الموت أم صحوة الحياة ؟!! لا يهم المهم هى انها صحوة وأنا أعشق الصحو وأعدكم اننى لن أفرط فيه بعد اليوم ما حييت
إلى اللقاء فى الحلقة القادمة
إنجى همام