منذ أكثر من نصف قرن تنزف غزة تنزف كل فلسطينوصراخ المحكوم عليهم بالحياة ليروا أعزائهم يرحلون عنهم يوميا يملأ أرجاء الدنيا ولكن لغة الصراخ على ما يبدو لم تعد تجدى نفعا فى هذا العالم ،فما زال النزيف يخضب أعين العالمين كل صباح ومساء حتى انه من فرط ما اشتد بات عاديا ولم يعد حتى من يشيح عنه بوجهه من هول المنظر ،لكنى أعتقد أن هناك مشهدا جديدا كان لافتا للنظر بالأمس
لم تكن صورة من صور الموت المؤلمة التى اعتدناها ،بل كانت صورة من صور الحياة التى شدت هذه المرة انتباه الكثيرين بين مؤيد ومعارض كما هو الحال دائما ،عفوا أطفال غزة أظنكم كنتم تودون الرقص معنا ولكنه القدر ، قدر هذا الشعب أن يحيا تفاصيل الحياة كباقى البشر، بقلوب ما فارقها الأنيين على أعزائها ، دوما ما كنت أتسائل كيف لهم أن يضحكون وهم يرون بأعينهم كل يوم ما لا يستطيع المرء تحمل سماعه بهذه الكثافة ،كيف يقيمون الأعراس وينجبون الأطفال ويجوبون الأسواق ويكتبون الشعر ويضعون رؤ سهم على وسائدهم حالمين بالغد ، ان لم يكن لهذا الشعب هذه الدرجة من التشبس بالحياة بكل تفاصيلها لكان انقرض منذ زمن ولم يبقى منه حتى ذكرى
ان الذين رقصوا بالأمس فى ميادين فلسطين الحبيبة لم يرقصوا على أشلاء أطفالها كما قال البعض ،بل رقصوا من أجلهم من أجل تحدى السفاحين المعتدين بما يملكون، فنهم ،تراثهم وثقافتهم التى يريد المحتلين طمسها واندثارها ،لم يرقص هؤلاء الشباب لا سمح الله رقصا خليعا متناسين أحزان اهلهم ووطنهم التى لم يكتب لها انقضاء بعد كما يفعل الكثيرين فى اوكار الظلام و أضواء الفضائيات ،انهم يرقصون فى النور فى الشوارع وسط الزحام ، يرقصون بنفس اصرار القابض على سلاحه ولنفس الهدف والحلم من أجل فلسطين من أجل قضيتها التى قرروا أن يطرحوها ويفرضوها بابتكار بإسلوب مغاير وهذا قدر المغايرين اللعن والسباب ولكن حتى يأخذ اللاعنيين وقتهم فى التفكير ويرون ما لم يكونوا يروه ، بعدها سوف يعرفون ان أولئك الذين رقصوا بالأمس لم يقترفوا جرما ولم يستخفوا بمشاعر أحد ،انهم فقط يواصلون الحياة
ويمنعون الموت أن يقف فى وجهها كما يريد لهم أعدائهم أن يصبحوا ،فلهم تحية وكل الصامدين فى كل ميادين الحياة فى وجه تجار الوت والسفاحيين والإرهابيين والمتحزلقين والمسفسطين والذين عينوا أنفسهم أوصياء على البشر والمتمسكين بالشكل على حساب المضمون
تحية لكل راقص رقص بالأمس رقصة الحياة على مسرح الحياة ،ولتكونوا قدوة لهذا الجيل الجالس على طاولات المقاهى فى ميادين وأزقة وطننا العربى بلا حراك ولاأمل
فلنرقص جميعا مثلهم رقصة الحياة كل بطريقته
إنجى همام

