
إلى أصحاب العقول الفهيمة والضمائر السليمة ...
هى المرة الأولى منذ إندلاع الفجر المصري الجديد التى أجلس فيها إلى أحرفى ، كم كان صعبا طوال الأيام التى عملت عمل السنيين بفعلها واحساسنا بها أن أسطر شىء - أيام العمل والصبر والدم و الوجع و الأمل والترقب والشك التى لازالت بكل معطياتها تسري فينا - ولكنى أحاول الوقوف أحاول استعادة قامة الكلمة التى أظنها اليوم لازمة ، لم أتمكن بعد من كتابة أى مشهد من الثورة العظيمة ربما لأنى لا أجيد التحديق فى الشمس وكم هى ساطعة باهرة الضوء والدفء شمس الثورة ، ربما أستل بعض من خيوطها واحدا تلو آخر بعدما تتم دورتها فى الفضاء ، ربما أحكى عن الشمس التى أضاءت للبعض و أحرقت البعض حينما أجلس فى ركن ظليل لأذكرها و أتدثر بها ما حييت ، ربما بعد تمام المهمة أحكى عن أقدس بقعة رأتها عيونى "ميدان التحرير" ليس فى المطلق بالطبع ولكن وقت المعركة ، ما يمكننى الحديث عنه اليوم بل بشكل أدق ما فرض نفسه علىً هو يوم أمس يوم مر غريبا ومثيرا للإنتباه ، جعلنى أشعر بواجب نقله كما حدث ربما ساعدنا فى الإعداد لأيام مقبلة ، أستأذنكم مشاركتى إياه
فى الصباح توجهت لمنزل والدتي فى زيارة عادية وبعد التحية والسلام وجمل الإطمئنان ثرثرنا عن ليبيا الشامخة أكثر من ثرثرتنا عن مصر بعدها كانت الثرثرة عن "أحمد همام" شقيقى الأصغر وصديقه الأعز "أحمد أيمن" شابان فى مطلع العشرين امتلئا بالروح والوعى معا شاهدت منهما ومن جيلهما طوال شهر مضى ما لم يكن يخطر ببالى أبدا واليوم من جديد أدين لهم بمنتهى الأمل فى غد بهم أفضل بإذن الله
بالأمس وجدت منزلنا ممتلأ بصناديق من الكرتون المقوى لها شكل واحد والعديد من أوراق ال A 4 مكتوب عليها شعارات الولاء والبناء والإنتماء لهذا الوطن ، عرفت أنه مشروع "الأحمدين" لبث روحهما فى الآخرين ، كانت الفكرة بعد تنظيف العديد من المناطق بواسطة سكانها هى المحافظة على هذه النظافة كوجه يجب أن تظل عليه مصرنا الجديدة وبعد إبعاد الأفكار الأكثر كُلفة وتعقيدا جاءت فكرة صناديق الكرتون المقوى لدقها على مسافات متوازنة داخل كل شارع صغُر أو كبُر ووضع أكياس بلاستيكية بداخلها حتى يتثنى إخراج محتوياتها وتفريغها بسهولة من الصندوق المثبت فى الجدار ، ولاستغلال الفكرة أكثر تمت طباعة الشعارات الوطنية على الأوراق ولصقها على الصناديق حتى يكون لها أكثر من عمل ويكون تأثيرها فى نفس المواطنيين أعمق ، نعم يحتاج المواطن المصري الكثير من بذل الجهد لترك تأثير فى نفسه يجعله ينضم لقافلة المهاجرين لمستقبل حر ، تمت مواجهة حملة "الأحمدين" بالسخرية والإستهزاء من كثيرين ولكنهما لم يلتفتا لأحد بل شرعا فى العمل بعدها إلتف الشارع حولهما شبابا يطلبون الإنضمام وكبارا يطلبون تنفيذ التجربة فى أقرب نقطة لمنزلهم حتى يظل أمام كل عمارة نظيف ومبهج ، بعدها قاموا بشراء لمبات كهربائية لإنارة مدخل كل بيت وجعل المكان أكثر أمنا و أجمل شكلا ، فى المساء نزلت فى الشارع وقمت بتصوير ما تم إجازه ورأيت وسمعت المزيد ، باقى الخطة دهن الشارع بالكامل ليستكمل بهاؤه المنشود وعرفت عصر اليوم إنهم استمروا فى العمل حتى التاسعة من صباح اليوم بعد انضمام آخرين إليهم وتم ده الشارع بألوان العلم المصري ، وجاءتهم طلبات من الشوارع المجاورة لتنفيذ نفس الفكرة كما جاءهم عرض من جمعية رسالة المعروفة للتعاون بينهم .
بعد تصوير الشارع الجديد بالأمس صعدت لتوديع والدتي و باقى أخوتى فوجدت أختى العائدة من عملها توا غاضبة حانقة بشكل ملفت و إذا بها تقول إن هاتفها المحمول سُرق فى مترو الأنفاق ، ليس هذا المحزن و المؤسف فى الأمر بل الطريقة التى تم بها ذلك ، كانت تركب عربة السيدات وشاهدت رجلا داخل العربة وحينما طالبته هى وبعض السيدات بالنزول أجابهم بأن مصر الآن بلا قانون ولا شرطة وكل المتفق عليه سابقا أصبح الآن لاغيا !! فأجابته أختى وما العلاقة لما يحدث بما يفعله ، بل العكس هو الصحيح نحن فى حالة تصحيح أوضاع وهبة وطنية و أخلاقية تستدعى الحفاظ أكثر على كل القيم وليس التفريط فيها فلماذا يخالف روح الوطن لماذا لا يشارك بمجرد الالتزام ، ساءه قولها ولكنه طلب منهم المرور لينزل وفى لمح البصر وحينما كان يغادر عربة السيدات فعل فعلته ونزل من القطار وبمجرد غلق الأبواب رفع هاتف أختى المحمول ليريها إياه وعلى وجهه كل علامات النصر وحينما صرخت هى وغيرها من السيدات "حرامى ..حرامى" لم يتتعتع من مكانه بل وضع يده فى خصره ضاحكا بمنتهى السخرية وبالطبع لم يكن هناك من يمسك به .
بعد مغادرتي بيت والدتي توجهت لوسط البلد ونزلت بمحطة التحرير للمرة الأولى منذ بداية الثورة لوجهة أخرى غير الميدان، ولكن روحى لم تطاوعنى أن أتجه لمقصدى دونما التعريج على الميدان و إلقاء التحية ، لم يكن هو الميدان لم أرى روحه الطاغية التأثير لم أرى الثوار والقابضين على أحلامهم ، لكنى رأيت الأعلام المصرية ، لم تكن كأعلام الوطن بل مجرد سلعة تباع وتشترى لمن أراد صكا للغفران كونه لم يكن بالميدان أيام الشدة ووجدت الشهداء ولكنى وجدتهم أيضا للبيع جزء من نفس الصكوك وجدتهم على ملابس ولوحات و أكثر ما استفذنى وفك فمى المسكر منذ شهر كامل كان فى هذه اللحظة لحظة وجدت أحد الباعة ينادى على بطاقة صغيرة للبيع عليها صور الشهداء الأشهر منذ بداية الصورة ولليوم ستة عشر شهيدا بتنا نحفظ أسمائهم وصورهم ولكن البائع الفذ لم يكن ينادى لبيع البطاقة أو الصور بل لبيع الشهداء هكذا سولت له نفسه فأخذ ينادنى بالعامية المصرية " ستاشر شهيد بجنية " !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
ولم ينتهى تعجبى بعد
تركت الميدان وذهبت لوجهتى أحمل مشاهد اليوم كحمل ثقيل أضعه اليوم بين أيديكم، ليس غريبا بالطبع أن نقابل الحالمين بمصر أخرى ومستقبل لم يكن مطروحا من قبل ، ليس المستقبل الواعد بل الكلمة بحد ذاتها بكل مدلولاتها ، لم يكن لديهم أى أمل واليوم صنعوه وصنعهم ، وليس غريبا أيضا أن نقابل كل الانتهازيين والاستغلاليين من يسرق منهم يسرق ومن يكتفى بالبيع حتى ولو كان للشهداء يبيع ، هكذا الحال فى كل مكان وزمان ، كتبت ما شاهدت ليس من أجل تعجبى مما رأيت ولكنه نداء ، قد عاش كل منا سنوات عمره اليائس منا والآمل ولكن دوما كان هناك الهم ، الهم الوطنى الذى تخيل معظمنا مرارا أنه يحمله وحده أو فى أحسن الأحوال بصحبة قلة صغيرة غير ذات حيلة ، واليوم بعدما بات كلنا يعرف أنه ليس وحده و أن هناك الملايين بعدما ولد الحلم بعدما عادت الروح والوعى فى آن معا بعدما قبضنا على لحظتنا التاريخية هل من سبيل للتفريط ؟؟ هل نترك أراذل المخلوقات تسرقنا فى وضح النهار ؟ فكرت طويلا فى حال هذا الجيل فكرت تحديدا فى " الأحمدين" اللذان تركا العالم وراءهما من عمل ودراسة و أخذا يجوبان شوارع المحروسة يدافعون تارة ويبنون أخرى هذا المثل النبيل البرىء ماذا يمكن أن يصيبه إذا ما سُرقنا ترى هل له من حياة ؟؟ قد عاش جيلنا بل وتربى على الإنكساروالإحباط مما قد يجعل الأمر علينا أهون ، مما قد يُعيدنا لصفوف البداية والمحاولات من جديد ، ترى هل لهذا الجيل الأخضر ما لنا من صبر؟ تُرى إذا سقط هذا الجيل فكم يحتاج من الوقت للوقوف مجددا ؟ من أجل هذا الجيل السيد لن أستجدى أحد فقط أنبه نفسى والجميع بحراسة هذا الحلم بكل سبيل والحراسة من السهر عليه حتى يصل لبر أمانه ، هذا دورنا وتلك أمانتنا وعلينا خوض معركتنا دون تردد أو مواربة ، الآن تبدأ الثورة لا العكس الآن لم يعد لأينا حجة بالوحدة أو الضعف اليوم عرفنا الطريق وليس من سبيل للعودة
انتشروا انتشروا انتشروا فى كل ميدان وشارع ومقهى وبيت خبروا الجميع أن الثورة بدأت الآن ولكل منا دوره الذى لن يُسامحه التاريخ بعد الله إن أخفقه أو تخلى عنه .
اغفروا لى إطالتى واسمحوا لى أن أبعث برسالة قصيرة من هنا
أحمد أيمن و أحمد همام وجيلكما الذى طالما حزنت منه وعليه ، أيها الشبان و أمثالكم لا تهنوا ولا تحزنوا ولا تيأسوا مهما رأيتم وقابلتم فأنتم الحقيقة وغيركم السراب ولتسمحلوا لى أن أقبل التراب الذى تطئه أقدامكم أن أقبل خطواتكم النبيلة وطريقكم المقدس ففى هذه القُبل تكمن الحياة كل الحياة .
إنجى همام
القاهرة
24/2/2011