
قراءة فى كتاب أوراق شخصية " حملة تفتيش "للكاتبة لطيفة الزيات
حينما نمارس فعل الكتابة ولا سيما عن الذات نكون مدفوعين بنزق ما مهما تخيلنا أننا مغرقون فى التأمل ولكن قراءة الأخرين على العكس من ذلك ، فقد استطعت أن أرى ما تحت مسام كلماتها بوضوح أخافنى ، أعلم أن لكل عمل كتابى قراءات عدة وأيا كان ما أختاره منها لقناعتى فانى أقرأمنها ما استطعت قبل الأختيار ولكن مع د0 لطيفة الزيات وبالإطلاع على أوراقها الشخصية فكان الأمر مختلف ، قلبت الأمر على جميع وجوهه فما وجدت سوى قراءةواحدة لانشطار الأنثى الانسان أو ازدواج الإنسان الأنثى 0
فى بلادى حيث تربى الأنثى بعيدا عن الانسان ،وكأنها خلق آخر مختلف ، وإذا أسعد احدى نسائنا الحظ ووجدت أسرة أو ظروف لا تسلبها انسانيتها من عقل وارادة واختيار وتعليم وما إلى ذلك مما يرونه لا يناسب الإناث !،فإنهم حينما يمنحونها هذا الحظ يكون للأسف على حساب أنوثتها ، فى البداية لا نكون مدركين – وقد نظل- وحينما تفاجأ الأنثى الإنسان بأنوثتها التى غالبا ما يوجهها إليها غريب ، فلا تقل أزمتها حينها عن المرأة التى تدرك بعد كثير من العمر أن لها حقوق الإنسان ، وحينها يكون على الأنثى الإنسان الإختيار بين ملكيتها لأنوثتها أو انسانيتها اللتان لا تستطيعان العيش تحت رداء واحد فى أوطاننا
تباغتنى كلمات د0 لطيفة حينما تروى عن الضابط الذى داعبها قائلا :لماذا تعملين بالسياسة وأنت حلوة ؟!، فترد فى نفسها مبتسمة انها لم تكن تدرك أنها حلوة سوى بعد زواجها الثانى !!
هذا الزواج الذى كلفها ارادة الانسان حينما علمت أنها حلوة .. أنها أنثى
عاشت سنوات تؤمن كل الإيمان أها تمضى فى المدار الخطأ ولكنها لا تملك فعل شىء كانت قد قررت عدم التفريط فى أغلى مالدى الإنسان ..عقلها ، لذا أبقت على هذا العقل ولكن محنطا بين دفات الكتب كما قالت هى ،أخذتها دوامة العشق سنيين ، ولتبقى الأنثى التى دفنتها سنوات طوال حية تتنفس ، تتنفس بأثر رجعى تروى ظمأ أنوثتها العطشى التى أغفلتها وهى تدرس وتتعلم وتخطب وتتكلم وتتظاهر وتعتقل ، الأنوثة التى يخشى عليها المجتمع من كل ذلك فحينما يرى امرأة تطرق تلك الميادين لا يجد وساما أشرف وأرفع من الرجولة ليخلعه عليها ، فيقولون امرأة بمئة رجل !! وقد كانت لطيفة وهى تركل الحصى وتغنى فى الصحراء "يا شعوب الشرق حان وقت رد الغاصبين " ، كانت لطيفة جندى بالميدان تفتدى وطنها بأنوثتها دون أن تشعر
فى أوراق د0 لطيفة الشخصية لم أعد أرى الكلمات لم أرى المعانى الأدبية والبلاغية "اللإستعارات والكنايات والتشبيهات " فقط رأيت خطوات على طريق حياة ..نبضات قلب ..دماء تتدفق فى شرايين ، عشت معها حياة كاملة ..تجربة امرأة عربية منذ طفولتها الموؤدة فى الحادية عشرة على يد جنود إسماعيل صدقى باشا ، فغرست فيها الوطنية نبتة قوية وصلبة ظلت ترويها دماء المناضلين كلما خضبت دمائهم الذكية عيونها ،
كان التدفق شديدا على كوبرى عباس ، تدفق الحياة ..تدفق الموت وتدفق الخلود لأناس قرروا اختيار كلمتهم اختيار لونهم والإختيار يعنى الحرية وهى ابنة الحرية ، حرية الجميع التى لا تقبل أبدا انتزاعها شخص ٌ مفرد من المجموع ، فهذا الانفصال يميتها وهى اختارت الحياة
الحياة فى الأخرين فى المجموع الذى لا يفنى لأنه لا يشبه أى مجموع ،بل إنه تفرد بعشقه حتى الموت ، فعزف لحن الخلود وكان قائد الأوركسترا هو هذا الوطن وكانت لطيفة من أروع النغمات فى هذا اللحن وهى تلف أجساد المسافرين إلى الخلود بأعلام هذا الوطن
تلك العربية الأبية العاشقة الصوفية ، غزلت بكلماتها بأنفاسها بخطواتها رمزا للصمود فى وجه كل من خانوا ، كل من باعوا ، كل الفساد والفاسدين
آلمتنى كلماتها عن رواية الباب المفتوح حينما رأت أنها تحنط حياتها داخل كتاب ، ولكن أليس الهدف من التحنيط هو الخلود ؟، كانت تتخيل أن الكتابة لا تكفى لا تروى ظمأها للنضال ، تتعارك أنوثتها وإنسانيتها فتصر أن تبقى على العقل ، فتكتب أروع ما كتبت ، تحنط حياتها فتعطيها الخلود ، وها أنا معها على مشارف الستين تخرج ماردها من قبوه ، قبو النفس الغاضبة التى احتبست حمم الغضب تتلو بعضها بعضا لتفجرها بركانا رافضا تدنيس التراب المقدس ، رافضا بيع الوطن رافضا كامب ديفد تتويج لفساد استمر حقبة كاملة ، ولكن هذا العار كان فوق احتمال كل شريف ، فعادت فى الثامنة والخمسين للسجن للاعتقال ، لحياة ارتضتها واختارتها مصيرا منذ البدء ،عادت لتنظر فى المرآة لامرأة شابة فى السادسة والعشرين اشتاقت النظر إليها ،فلا تجد من فارق سوى بعض تجاعيد التجربة خطها الزمن على ملامحها فبدت أكثر جمالا ،أصبح جمالا ناضجا لا طفوليا ، جمال الإنسان والأنثى اللذان سابق كلاهما الآخر فى العشق وكان الفوز لهذا الوطن بتجربة عربية مناضلة مبدعة تستحق التأمل
إنجى همام



