Powered By Blogger

الخميس، مايو 22، 2008

انشطار



قراءة فى كتاب أوراق شخصية " حملة تفتيش "للكاتبة لطيفة الزيات


حينما نمارس فعل الكتابة ولا سيما عن الذات نكون مدفوعين بنزق ما مهما تخيلنا أننا مغرقون فى التأمل ولكن قراءة الأخرين على العكس من ذلك ، فقد استطعت أن أرى ما تحت مسام كلماتها بوضوح أخافنى ، أعلم أن لكل عمل كتابى قراءات عدة وأيا كان ما أختاره منها لقناعتى فانى أقرأمنها ما استطعت قبل الأختيار ولكن مع د0 لطيفة الزيات وبالإطلاع على أوراقها الشخصية فكان الأمر مختلف ، قلبت الأمر على جميع وجوهه فما وجدت سوى قراءةواحدة لانشطار الأنثى الانسان أو ازدواج الإنسان الأنثى 0
فى بلادى حيث تربى الأنثى بعيدا عن الانسان ،وكأنها خلق آخر مختلف ، وإذا أسعد احدى نسائنا الحظ ووجدت أسرة أو ظروف لا تسلبها انسانيتها من عقل وارادة واختيار وتعليم وما إلى ذلك مما يرونه لا يناسب الإناث !،فإنهم حينما يمنحونها هذا الحظ يكون للأسف على حساب أنوثتها ، فى البداية لا نكون مدركين – وقد نظل- وحينما تفاجأ الأنثى الإنسان بأنوثتها التى غالبا ما يوجهها إليها غريب ، فلا تقل أزمتها حينها عن المرأة التى تدرك بعد كثير من العمر أن لها حقوق الإنسان ، وحينها يكون على الأنثى الإنسان الإختيار بين ملكيتها لأنوثتها أو انسانيتها اللتان لا تستطيعان العيش تحت رداء واحد فى أوطاننا
تباغتنى كلمات د0 لطيفة حينما تروى عن الضابط الذى داعبها قائلا :لماذا تعملين بالسياسة وأنت حلوة ؟!، فترد فى نفسها مبتسمة انها لم تكن تدرك أنها حلوة سوى بعد زواجها الثانى !!
هذا الزواج الذى كلفها ارادة الانسان حينما علمت أنها حلوة .. أنها أنثى
عاشت سنوات تؤمن كل الإيمان أها تمضى فى المدار الخطأ ولكنها لا تملك فعل شىء كانت قد قررت عدم التفريط فى أغلى مالدى الإنسان ..عقلها ، لذا أبقت على هذا العقل ولكن محنطا بين دفات الكتب كما قالت هى ،أخذتها دوامة العشق سنيين ، ولتبقى الأنثى التى دفنتها سنوات طوال حية تتنفس ، تتنفس بأثر رجعى تروى ظمأ أنوثتها العطشى التى أغفلتها وهى تدرس وتتعلم وتخطب وتتكلم وتتظاهر وتعتقل ، الأنوثة التى يخشى عليها المجتمع من كل ذلك فحينما يرى امرأة تطرق تلك الميادين لا يجد وساما أشرف وأرفع من الرجولة ليخلعه عليها ، فيقولون امرأة بمئة رجل !! وقد كانت لطيفة وهى تركل الحصى وتغنى فى الصحراء "يا شعوب الشرق حان وقت رد الغاصبين " ، كانت لطيفة جندى بالميدان تفتدى وطنها بأنوثتها دون أن تشعر
فى أوراق د0 لطيفة الشخصية لم أعد أرى الكلمات لم أرى المعانى الأدبية والبلاغية "اللإستعارات والكنايات والتشبيهات " فقط رأيت خطوات على طريق حياة ..نبضات قلب ..دماء تتدفق فى شرايين ، عشت معها حياة كاملة ..تجربة امرأة عربية منذ طفولتها الموؤدة فى الحادية عشرة على يد جنود إسماعيل صدقى باشا ، فغرست فيها الوطنية نبتة قوية وصلبة ظلت ترويها دماء المناضلين كلما خضبت دمائهم الذكية عيونها ،
كان التدفق شديدا على كوبرى عباس ، تدفق الحياة ..تدفق الموت وتدفق الخلود لأناس قرروا اختيار كلمتهم اختيار لونهم والإختيار يعنى الحرية وهى ابنة الحرية ، حرية الجميع التى لا تقبل أبدا انتزاعها شخص ٌ مفرد من المجموع ، فهذا الانفصال يميتها وهى اختارت الحياة
الحياة فى الأخرين فى المجموع الذى لا يفنى لأنه لا يشبه أى مجموع ،بل إنه تفرد بعشقه حتى الموت ، فعزف لحن الخلود وكان قائد الأوركسترا هو هذا الوطن وكانت لطيفة من أروع النغمات فى هذا اللحن وهى تلف أجساد المسافرين إلى الخلود بأعلام هذا الوطن
تلك العربية الأبية العاشقة الصوفية ، غزلت بكلماتها بأنفاسها بخطواتها رمزا للصمود فى وجه كل من خانوا ، كل من باعوا ، كل الفساد والفاسدين
آلمتنى كلماتها عن رواية الباب المفتوح حينما رأت أنها تحنط حياتها داخل كتاب ، ولكن أليس الهدف من التحنيط هو الخلود ؟، كانت تتخيل أن الكتابة لا تكفى لا تروى ظمأها للنضال ، تتعارك أنوثتها وإنسانيتها فتصر أن تبقى على العقل ، فتكتب أروع ما كتبت ، تحنط حياتها فتعطيها الخلود ، وها أنا معها على مشارف الستين تخرج ماردها من قبوه ، قبو النفس الغاضبة التى احتبست حمم الغضب تتلو بعضها بعضا لتفجرها بركانا رافضا تدنيس التراب المقدس ، رافضا بيع الوطن رافضا كامب ديفد تتويج لفساد استمر حقبة كاملة ، ولكن هذا العار كان فوق احتمال كل شريف ، فعادت فى الثامنة والخمسين للسجن للاعتقال ، لحياة ارتضتها واختارتها مصيرا منذ البدء ،عادت لتنظر فى المرآة لامرأة شابة فى السادسة والعشرين اشتاقت النظر إليها ،فلا تجد من فارق سوى بعض تجاعيد التجربة خطها الزمن على ملامحها فبدت أكثر جمالا ،أصبح جمالا ناضجا لا طفوليا ، جمال الإنسان والأنثى اللذان سابق كلاهما الآخر فى العشق وكان الفوز لهذا الوطن بتجربة عربية مناضلة مبدعة تستحق التأمل


إنجى همام

الأحد، مايو 11، 2008

نقابة المحامين التى لا يعرفها المحامون

أنتمى لنقابة المحامين بحكم دراستى للقانون رغم انى غير مقيدة بها لأننى لم أعمل بالمهنة
ومع هذا يربطنى بها ولاء شديد حتى ولو لم أكن من دارسى الحقوق؛ لازلت أذكر كيف وقعت فى هواها بأذنى قبل عينى فالأذن تعشق قبل العين أحيانا

كان ذلك منذ أكثر من سبع سنوات حيث كنت أخطو أولى خطواتى الصحفية وذهبت لتغطية فاعليات مؤتمر ا حتجاجى فى نقابة المهن التمثيلية عقب انتفاضة الأقصى الأخيرة ؛ يومها انبهرت بموقف الفنانين لدرجة جعلتنى احكى عن هذا اليوم لكل اقاربى ومعارفى ؛حينها قال لى عمى ماذا ستفعلين اذن اذا رأيت نقابة المحامين وتظاهراتها

كان هذا السؤال الذى يبطن فخره بنقابته هو الذى دعانى للإهتمام بزيارتها وكنت يومها لازلت طالبة بالجامعة ولكنى فخرت مثله بهذه النقابة وشعرت بإنتماء لها يجب أن يكون شعور كل وطنى غيور على وطنه ؛ومن يومها يرتبط هذا المكان الذى هومعنى ومبدأ قبل أن يكون مكان يرتبط فى مخيلتى بكل معانى النضال والشرف والحرية ؛ هذا المكان الذى طالما دهستنا على بوابته أقدام الأمن المركزى وأدمتنا هراواتهم وألحقت أوسمة الشرف بأجسادنا رجالا ونساء بمنتهى المساواة ؛ هذا المكان الذى طالما تعالت فيه صيحات الحق منادية برد كل الحقوق لجميع أصحابها فى كل موقف كبير أو صغير عام أو خاص هذا المكان الذى تبنى جميع التيارات واحتضن جميع الأصوات ما دام هدفها الحق فى غير محاباة أو تعصب لأحد؛ هذا المكان أذكره كلما ذكرت صوت المتظاهرين مدافعين عن حقوق الجماهيرالبسيطة وكلما ذكرت صبر المعتصمين وإيمانهم بقضاياهم التى تحمل وتحمى حقوق الناس وكلما رأيت انتصارا للإرادة القوية التى لاتعتمد فى نيل المطالب على التمنى ؛ أذكره وأشعر بالفخر لأنى وطأته يوما وبأنى عشت فيه أروع اللحظات النبيلة 0
فلا أنسى عام 2002 الذى كنا شبه مقيمين فيه بالنقابة ولو أسميته اسما لأسميته عام النقابة ؛ كان نهارنا تظاهرات فى النقابة وبعد الظهيرة اجتماعات وفى المساء ندوات وباليل اعتصام كل ذلك بنقابة المحامين على مناضدها احتسينا الحكايات الثائرة وعرفنا معنى الحق الذى يجب وأن يرد لأصحابه مهما كان الثمن ؛ تكلمنا لغة جديدة تدعى لغة الإيمان ونفضنا من رؤسنا لغة السلبية والإستكانة التى شربناها فى ماء الصنبور منذ الطفولة ؛تعلمنا مفردات لم نسمعها فى الشارع أو المدرسة أو حتى الجامعة مفردات رصينة تحمل لغتنا وتحمي حقوقنا وتدعونا للحياة الحقة
ومرت السنوات ونقابة المحامين كما هى منبرا للحريات وداعما للحقوق ونصيرا للشرفاء
أما أنا فقد ارتبط نزولى للنقابة بهذه المواقف وتلك المناسبات ولم أكن أذهب إليها دونما دعوة لحضور أى من هذه اللقاءات التى تعودتها فيها

ولكن تصادف مرورى من أمامها فى يوم أحد منذ بضعة أسابيع فوجدت ازدحاما شديدا فظننت أن هناك حدث ما ؛ولكن حينما دخلت وجدت جلسة حلف يمين لعدد من الخرجين الجدد ورأيت الحديقة قد امتلأت بأشخاص لم أرهم من قبل جاء معظمهم لتوقيع بعض الأوراق من النقابة ؛ لماذا لا أرى هذه الوجوه فى هذه المواقف ؟!
لماذا لاتربطهم بالنقابة سوى أوراق وإمضاءات وإجراءات ؟! لماذا لايعرفون قدر نقابتهم الذى يعرفه كثيرين لا تربطهم بها الأوراق ؟ فقط يجيئون من آن لآخر يتسامرون ويحتسون الشاى والمثلجات ويتناقشون فى القضايا وهذا فى أفضل الأحوال ؛ دهشتى منهم شديدة لأنهم لا يختلفون عن الشباب الأخر الذى ملأالبلد عددا ولم يملؤها عملا وفخرا؛ وقد اعتدت أن أرى فى هذا المكان شبابا من نوع مختلف ؛شبابا يليق بقدر هذا المكان
ليت أولئك المحامين يعرفون نقابتهم وينهلون من هذا المكان ما يجعلهم أهل للإنتماء لها
إنجى همام

المنفى الأخضر





كان الصباح صحوا ناديا كدعوة أمى لى دائما ؛ورغم سهرتى الطويلة مع ليلى على الهاتف إلا اننى صحوت مبكرا ؛ذلك أن نومى بعدها جاء هادئا عميقا كنوم طفل فى صدر أمه ؛الساعة لم تجاوز السابعة بعد وقد تناولت الشاى بالحليب وصليت الضحى وأخذت حمامى فى يسر فالتكالب على المياه لم يبدأ بعد ؛
وارتديت ملابسى بالكامل ؛ ارتديت القميص الذى اهدتنيه" ليلى" فى عيد حبنا الماضى والحذاء البنى الذى اشتريته مع "ماضى"قبل أيام ؛مكالمة الليلة الماضية تركت فى نفسى نشوة حركت بداخلى الحياة الراكدة وأعطتنى الأمل من جديد فأطلقت لنفسى عنان الرفاهية وارتديت كل جديد تماما كالأطفال فى العيد ؛
ففى السابعة مساءً سأدق باب حبيبتى بثقة فوالدها بعد بحثه الطويل عن ظروفى ومباحثاته الأطول مع زوجته وأخوته وزملاء العمل وبعض جيرانه المقربين ؛ قد وجد أنه فى الظرف الراهن ليس من الحكمة ان يرفض عريسا مثلى ؛فلن يجد كل يوم فى أيامنا هذه عريس لديه شقة ملكه ؛ صحيح انها فى القناطر ولكن القناطر ليست بعيدة بشكل مزعج هذا بالإضافة لجمال الجو والمناظر الطبيعية بها

وصحيح انها فى بيت العائلة ولكنها واسعة وبحرية وليست فى طابق عالى ؛ هذا بالإضافة إلى طيبة أهلى وحبهم لكل من يجىء من طرفى ؛ لذا وبعد التفكير العميق ذهب إلى" ليلى" وقال لها بنبرة مكابرة :
- هل ستتحملين هذه الظروف ؟
= فابتسمت وأومأت برأسها
حينها رد بنبرة من فعل كل ما فى يديه وأراح ضميره
- اتفلقى








بعد أن تأكدت ليلى من موافقته طلبت منه تحديد موعد لى لنتفق على التفاصيل وقد فعل
واليوم موعدنا لا أعرف كيف سأحتمل نصف يوم بكامله حتى يحين موعد اللقاء

جالت كل هذه الأفكار بخاطرى وأنا أقف على عربة" كل وأشكر" لصاحبها عم سيد وأكتشفت انى فى خلال ربع ساعة قد التهمت أربعة أرغفة وصحنين فول وثلاثة أقراص طعمية وعدة بصلات خضراء
لست نهما فى الطعام بطبعى ولكن ترى ما السر خلف انفتاح شهيتى اليوم ؟ ! هل السعادة التى وهبتنى إياها مكالمة الأمس ؟ أم الخوف من لقاء اليوم يعلم الله وحده هل سأقدر على تناول شىء بعد نهاية هذه الزيارة أم أن طلبات حماى ستقف فى حلقى مانعة مرور أى شىء بعدها ؟!

لم أنزعج من الحفر بالشارع الذى يعرضنى للى قدمىً يوميا وربما يؤدى إلى كسرى فى يوم ما ولا برائحة المجارى البشعة التى تملأ حياتنا صيفا وشتاء ولم أعبأ بزحام المترو ولا سخافات الركاب ومشاجرتهم المزعجة ولا بشدة الحر الذى آتى مبكرا هذا العام و لا بتوقف المترو طوال الطريق بين كل محطتين لأسباب لا يعلمها إلا الراسخون فى العلم ! ليس بحكم العادة فالعادة أن يحدث هذا وأن ننزعج منه كل يوم ولا نفعل أكثر من الإنزعاج، هكذا اعتدنا ولكن ما غير عادتى اليوم هى النشوة التى تتلبسنى منذ الصباح فاليوم لن أبالى بشىء ، أنا مبتهج ولا أذكر متى حدث ذلك آخر مرة ولا أعرف متى يمكن أن يحدث مرة أخرى ؛ألا يستحق هذا الإبتهاج إحتفال خاص؟

ها قد وصلت إلى التحرير ومواعيد العمل لم تحن بعد ؛إذا ذهبت إلى الوزارة الآن فلن أجد أيا من الموظفين .








إذن هو المشى سأتجول بشوارع وسط البلد التى أشعر أنى لم أرها من قبل ؛ولن تزعجنى هذه الشمس فهى شريكتى اليوم فى البهجة الجميع شركائى لن أضن على أحد؛ اليوم سأدعو زملائى فى المكتب على ما يريدون من مشروبات بل سأدعوهم على الغداء ؛هل أفعل ذلك اليوم أم أنتظر للغد؟ سأستشير" ماضى " ؛ أين أنت الآن يا عم ماضى ؟ أعتقد أنه فى الطريق سأهاتفه لأعرف أين هو

ونذهب للوزارة سويا كى أحكى له تطورات الأحداث قبل أن نصل لمكتبنا وأخجل من الحديث أمام باقى الزملاء ؛ماضى الوحيد الذى لاأخجل أن أحكى له مشاعرى بصدق وبساطة .
- ألو صباح الخيرات يا عم ماضى إلى أين وصلت أريد مقابلتك الآن .......
- شارع رمسيس ؟! ماذا تفعل هناك ......
- أجل أعرفه أعرفه - أنا فى طريقى إليك سلام

هل هذا وقته يا سى ماضى أمرى لله سأركب المترو للإسعاف كى أكسب وقت
- أيوة يا ماضى أنا فى شارع رمسيس...... دخلت شمال أنت فين ؟


- من فضلك من فضلك ما الذى يحدث هنا بالضبط ؟ !!!!
- ياافندم ممكن حضرتك ترد علىً؟!!! ......











لم يرد هو ولست أدرى إلى الآن من هو ولكن رد علىً فى الظلام الحالك الذى ابتلعنى فى وضح النهار كبطن حوت يونس ولكن بدون رحمة الله رد شخص آخر لاأعرفه أيضا حتى الآن
"تعالى يا روح أمك "بعد أن دفعنى أحدهم على وجهى فطرحنى أرضا لم أطئها من قبل
أخذت تتلقفنى الأيدى ؛كان أول ما انكسر منى نظارتى الطبية وتوالت بعدها الكسور

كانت التحية عندهم ليست السلام كسائر البشر بل كانت انتقام لاأعرف له سببا والترحيب لم يكن بالأيدى فقط بل بالأرجل والعصى العاديه والكهربائية واللكز والوخز والأحزمة والأحذية لم أرى كرما كهذا فى حياتى !

كانت التحية المبالغ فى كرمها هى التى لم تدعنى أرى بقية الضيوف ولوقت ما لا أستطيع حسابه تصورت أن جميع الموجودين أصحاب بيت واننى الضيف الوحيد رغم تصاعد أصوات الأنين والصراخ من حولى إلا اننى لم أكن أدرك حولى ؛ كل ما كنت أدركه أولا أدركه


كان داخلى كان دهشة أو صعقة أو مس من جنون أين أنا هل فى بطن القبر ؟ ولكنى لا أظن هؤلاء ملائكة ؛بعد مدة من الوقت لا تحسب بحجم الزمن بل بحجم الإهانة التى لم تترك مساحة فى جسدى وروحى إلا وطبعته ببصمة منها ، بعد تلك المدة ركلتنى قدم أحدهم ركلة كومتنى فى أحد الزوايا البعيدة بعد أن أخذت نصيبى من الترحاب ، حينها سمعت صوت قوى فى الظلام انه صوت الباب الثقيل يبدو أن هناك زائر جديد بعثه الله لرحمتى بعض الوقت ،









انقشعت الظلمة لبرهة عبر فيها أحدهم الطريق إلى مصيره الذى توحد مع مصائرنا فى هذا الوقت العصيب ، تكرر هذا الدخول وتلك الرحمة التى نسلمها لبعضنا البعض ، فالوقت الوحيد الذى كان يتوقف فيه التنكيل بنا هو لحظة فتح الباب الذى لم أكره فى حياتى باب سواه ولم أعشق فى حياتى باب سواه ؛ فمنه دخلت إلى هذا المنفى وشعرت أننى لن أعود ومنه ولهذه اللحظات التى يعبر فيها أحدهم كانت تعبر الرحمة ويتوقف العذاب حتى يتم غلقه ثانيةً ؛ فيعود الضرب ولكن للجميع بدون مساواة أو عدل ؛كيف لأعمى أن يعدل قد أخطأوا حينما جعلوا العدالة معصوبة العينين فكيف ترى فى الظلام كم أعطت لهذا وكم أعطت لذاك ؛ إنه أنسب وقت للفلسفة والتأمل لم يكن لدى وقت فراغ من قبل للتأمل فى أى شىء ؛فمنذ طفولتى وأنا أعمل فى الإجازة والدراسة على حد سواء وذلك لإتمام دراستى وشرح صدر أهلى فظروفهم المتواضعة لم تكن تسمح بتحمل نفقات الدراسة ولكنها دائما ما تعلقت بأمل التحقق أن ترى هذه الأسرة الكادحة إبنا جامعيا كان أقصى المنى

ورغم المجموع الكبير الذى حصلت عليه بالقسم العلمى فى الثانوية العامة إلا ان التنسيق لم يجد لى فرصة سوى فى احدى الكليات النظرية ورغم التقديرات العالية التى حصلت عليها طوال سنوات الدراسة إلا ان الواسطة التى لا أمتلكها قد أدت بى للتوظيف فى احدى الوزارات

وظيفة متواضعة إلى جوار مواهبى وطموحى السابقين فلم أعد أشغل بالى بأيهم وتكفينى سعادة والدتى وفخرها التى ترانى أكبر إنسان فى الدنيا ؛لم أعد أشعر بجسدى أهو كتلة من الثلج أم جمرة من النار؟! كلاهما شعور مؤلم









هل دمى يسيل أم عرقى يتصبب من فرط الإزدحام والإختناق ؛ فى البداية كان كل زائر غير حديث العهد بالمنفى يبحث عن ركن يتكوم فيه على ذاته بعد أن ينشغلوا فى الترحيب بالزوار الجدد وبعد توالى الأعداد فرادى وجماعات لم يعد هناك مكان لأحد يتكوم فيه بمفرده بل صرنا كتلة واحدة
من دم ولحم كرامة نازفة ورائحة عطنة وملمس لزج ؛كتلة ظننت أنها لن تنفصل أبدا ستظل ملتحمة ببعضها البعض أبدا فى هذا المنفى اللعين ؛كتلة بلا ملامح فقط تملؤها التشوهات ؛

هل أنعشتنا المياه التى كانوا يسكبوها فوقنا أم زادت الألم ؟! لست أدرى ترى هل كان هناك من يدرى هل كانوا يعرفون هم ؟ لكأنه فائض إنتقام يصبونه علينا لأنه أتى بأذهانهم فحسب على سبيل التنويع حتى لا نظن فيهم التقليدية والرتابة ؛كم حسدت عميان الدنيا اليوم فلو ولدت مثلهم ما كانت الظلمة زادت من وطئة الظلم ؛ كم أكره الظلام الذى لا تتميز فيه الأشياء ؛ لكأنهم يعرفون ؛أما لهذا الليل من فجر ؟

هل الليل فى هذا المنفى الحديدى أم فى نفوسنا أم أنه حقيقةً خارج الإثنين ؟ توالت الساعات أو الأيام والسنوات لست أعرف ولا أعتقد أن جزء من كتلة اللحم كان يعرف ولكن فى لحظة هى أشبه بلحظات الصحو من كابوس بشع فتحت البوابة الحديدية ولم يدخل أحد بل لفظونا منها واحدا تلو الآخر كانت الظلمة حالكة فى الخارج هل هى كذلك فعلا أم اننى اعتدت الظلام

حاولت أن أتحسس معصمى بحثا عن الوقت لكن ساعتى لم تكن فيه وكذلك لم أجد هاتفى المحمول فيما بقى من ملابسى ؛









رغم ألمى الشديد فى سائر خلايا جسدى كنت أهرول بشدة ربما لأثبت لنفسى انى لازلت قادرا على الحركة وربما خوفا من تراجعهم فى كلمتهم وإعادتى للمنفى مرة أخرى ؛ولكن أين أنا ؟ لا يهم وإلى أين أتجه أيضا لا يهم المهم أن أبتعد .


بعد طول هرولة وجدت نفسى بميدان التحرير ؛ لم يكن فى هذا الليل كما كان فى الصباح ؛ لم أرى فى هذا الفضاء سوى ساعة جامعة الدول العربية تعلن إنتصاف الليل ؛
توجهت ناحية عم رمضان بائع الجرائد لأعرف اليوم الذى أنا فيه ؛ وصدمت حينما عرفت اننى لازلت فى الخامس والعشرين من سبتمبر لسنة 2005 ميلادية ؛ أكان كل ما حدث قد حدث فى أقل من يوم؟!


طلبت من عم رمضان ان يدفع للصبى الذى تحدثت عنده من المحمول بحجة ضياع حافظتى ؛ لم أكلم ليلى لأعتذر عن الموعد بل كلمت ماضى لأحكى له ما حدث ؛
جائنى صوت عاملة الشركة صارما :
- الهاتف الذى طلبته غير متاح حاليا من فضلك اتصل فى وقت لاحق 0

إنجى همام
القاهرة فى السادس من يناير 2008
الساعة الحادية عشرة والربع مساءً0

تحديق الروح



فى احد البرامج الأجنبية التى تعرض على فضائية من الفضائيات العربية كانت المذيعة السمراء تجلس بصحبة بعض الجميلات وأمامها جمهور عريض من الرجال والنساء أغلبهم مشارك بشكل مباشر فى هذه الحلقة والتى كان موضوعها اعادة اكتشاف المرأة لنفسها ولحياتها العاطفية من جديد وقدمت الحلقة نماذج عديدة لسيدات قد أخذتهن مشاغل الحياة فأنستهن أنوثتهن وحولتهن إلى مجرد تروس فى عجلة الحياة ،وبمساعدة بعض خبراء التجميل و الأزياء وعدة أنواع من الرياضة الجسدية والنفسية ولدت كل منهن من جديد فينوس تتهادى على الأرض حتى ان نظرات الاعجاب الغير عادية قد ملأت عيون أزواجهن قبل أى شخص آخر ، خرج الكثير من الأزواج من حالات ملل وفتور وركود إلى حياة أكثر حيوية وإثارة هى خير معين على انتاج جيد فى شتى مناحى الحياة ، فمن المعروف وكما يؤكد دائما علماء النفس أن الحياة العاطفية الناجحة من أهم عوامل نجاح الإنسان فى حياته كلها،وسط هذه الرفاهية التى تقدر المرأة الغربية على تحقيقها لنفسها أو قد تساعدها عليها بعض الؤسسات المختصة على سبيل الدعايا لنفسها فإن معظم نسائنا العربيات من الصعب عليهن جدا دفع تكاليف هذا التجديد لدماء الحياة ومن العبث طرح مثل هذه البرامج على بشر يعيشون بالكاد حياة شبه آدمية ، ويمكن من هنا تصنيف هذا البرنامج فى قائمة برامج التعقيد ، لولا أن استوقفتنى إحدى الرياضات النفسية الهندية الأصل والتى قد مارسوها خلال عملية تجديد دماء الحياة ، وهى عبارة عن تمرين طويل لم يصوروا كل تفاصيله فقط عرضوا بدايته وهى جلوس الزوجين متقابلين متقاربين جدا ينظر كل منهما فى عين الآخر بعمق وهو ما قد أسموه بتحديق الروح ، بعدها تلتصق الأنفين فى مصافحة جديدة من نوعها ثم تتصافح الأنفاس على مهل وتتوالى المصافحات بتأنى وعمق ، وقد يستمر التمرين 8 ساعات متواصلة من الامتزاج الروحى العاطفى الذى شهد جميع من جربوه بتغيير حياتهم العاطفية والنفسية نحو الأفضل بكثير، و اعتقد ان هذا التحديق هو ما نحتاج إليه لنخرج من لجة الركود ، هذا التأنى والتمعن والتمهل والإصرار على الاقتراب من بعضنا البعض ، هذا العمق الذى نحتاجه لنخرج من زحام السطحية والفتور الذى ملأ حياتنا وتشبعت به حتى حولها إلى لا معنى لا شىء لا جدوى يأس مطبق ، حتى وصل حال الكثيرين إلى أنه لا خلاص مما نحن فيه والجميع ينتظر الخلاص الإلهى بالموت !
لابد من التحديق فى الروح كل منا عليه أن يحدق فى روحه وروح من يحب حتى يجد نـفـسـه ويجد أحبائه ويـجـد الـحـيـاة 0
إنجى همام