Powered By Blogger

الأحد، مايو 11، 2008

المنفى الأخضر





كان الصباح صحوا ناديا كدعوة أمى لى دائما ؛ورغم سهرتى الطويلة مع ليلى على الهاتف إلا اننى صحوت مبكرا ؛ذلك أن نومى بعدها جاء هادئا عميقا كنوم طفل فى صدر أمه ؛الساعة لم تجاوز السابعة بعد وقد تناولت الشاى بالحليب وصليت الضحى وأخذت حمامى فى يسر فالتكالب على المياه لم يبدأ بعد ؛
وارتديت ملابسى بالكامل ؛ ارتديت القميص الذى اهدتنيه" ليلى" فى عيد حبنا الماضى والحذاء البنى الذى اشتريته مع "ماضى"قبل أيام ؛مكالمة الليلة الماضية تركت فى نفسى نشوة حركت بداخلى الحياة الراكدة وأعطتنى الأمل من جديد فأطلقت لنفسى عنان الرفاهية وارتديت كل جديد تماما كالأطفال فى العيد ؛
ففى السابعة مساءً سأدق باب حبيبتى بثقة فوالدها بعد بحثه الطويل عن ظروفى ومباحثاته الأطول مع زوجته وأخوته وزملاء العمل وبعض جيرانه المقربين ؛ قد وجد أنه فى الظرف الراهن ليس من الحكمة ان يرفض عريسا مثلى ؛فلن يجد كل يوم فى أيامنا هذه عريس لديه شقة ملكه ؛ صحيح انها فى القناطر ولكن القناطر ليست بعيدة بشكل مزعج هذا بالإضافة لجمال الجو والمناظر الطبيعية بها

وصحيح انها فى بيت العائلة ولكنها واسعة وبحرية وليست فى طابق عالى ؛ هذا بالإضافة إلى طيبة أهلى وحبهم لكل من يجىء من طرفى ؛ لذا وبعد التفكير العميق ذهب إلى" ليلى" وقال لها بنبرة مكابرة :
- هل ستتحملين هذه الظروف ؟
= فابتسمت وأومأت برأسها
حينها رد بنبرة من فعل كل ما فى يديه وأراح ضميره
- اتفلقى








بعد أن تأكدت ليلى من موافقته طلبت منه تحديد موعد لى لنتفق على التفاصيل وقد فعل
واليوم موعدنا لا أعرف كيف سأحتمل نصف يوم بكامله حتى يحين موعد اللقاء

جالت كل هذه الأفكار بخاطرى وأنا أقف على عربة" كل وأشكر" لصاحبها عم سيد وأكتشفت انى فى خلال ربع ساعة قد التهمت أربعة أرغفة وصحنين فول وثلاثة أقراص طعمية وعدة بصلات خضراء
لست نهما فى الطعام بطبعى ولكن ترى ما السر خلف انفتاح شهيتى اليوم ؟ ! هل السعادة التى وهبتنى إياها مكالمة الأمس ؟ أم الخوف من لقاء اليوم يعلم الله وحده هل سأقدر على تناول شىء بعد نهاية هذه الزيارة أم أن طلبات حماى ستقف فى حلقى مانعة مرور أى شىء بعدها ؟!

لم أنزعج من الحفر بالشارع الذى يعرضنى للى قدمىً يوميا وربما يؤدى إلى كسرى فى يوم ما ولا برائحة المجارى البشعة التى تملأ حياتنا صيفا وشتاء ولم أعبأ بزحام المترو ولا سخافات الركاب ومشاجرتهم المزعجة ولا بشدة الحر الذى آتى مبكرا هذا العام و لا بتوقف المترو طوال الطريق بين كل محطتين لأسباب لا يعلمها إلا الراسخون فى العلم ! ليس بحكم العادة فالعادة أن يحدث هذا وأن ننزعج منه كل يوم ولا نفعل أكثر من الإنزعاج، هكذا اعتدنا ولكن ما غير عادتى اليوم هى النشوة التى تتلبسنى منذ الصباح فاليوم لن أبالى بشىء ، أنا مبتهج ولا أذكر متى حدث ذلك آخر مرة ولا أعرف متى يمكن أن يحدث مرة أخرى ؛ألا يستحق هذا الإبتهاج إحتفال خاص؟

ها قد وصلت إلى التحرير ومواعيد العمل لم تحن بعد ؛إذا ذهبت إلى الوزارة الآن فلن أجد أيا من الموظفين .








إذن هو المشى سأتجول بشوارع وسط البلد التى أشعر أنى لم أرها من قبل ؛ولن تزعجنى هذه الشمس فهى شريكتى اليوم فى البهجة الجميع شركائى لن أضن على أحد؛ اليوم سأدعو زملائى فى المكتب على ما يريدون من مشروبات بل سأدعوهم على الغداء ؛هل أفعل ذلك اليوم أم أنتظر للغد؟ سأستشير" ماضى " ؛ أين أنت الآن يا عم ماضى ؟ أعتقد أنه فى الطريق سأهاتفه لأعرف أين هو

ونذهب للوزارة سويا كى أحكى له تطورات الأحداث قبل أن نصل لمكتبنا وأخجل من الحديث أمام باقى الزملاء ؛ماضى الوحيد الذى لاأخجل أن أحكى له مشاعرى بصدق وبساطة .
- ألو صباح الخيرات يا عم ماضى إلى أين وصلت أريد مقابلتك الآن .......
- شارع رمسيس ؟! ماذا تفعل هناك ......
- أجل أعرفه أعرفه - أنا فى طريقى إليك سلام

هل هذا وقته يا سى ماضى أمرى لله سأركب المترو للإسعاف كى أكسب وقت
- أيوة يا ماضى أنا فى شارع رمسيس...... دخلت شمال أنت فين ؟


- من فضلك من فضلك ما الذى يحدث هنا بالضبط ؟ !!!!
- ياافندم ممكن حضرتك ترد علىً؟!!! ......











لم يرد هو ولست أدرى إلى الآن من هو ولكن رد علىً فى الظلام الحالك الذى ابتلعنى فى وضح النهار كبطن حوت يونس ولكن بدون رحمة الله رد شخص آخر لاأعرفه أيضا حتى الآن
"تعالى يا روح أمك "بعد أن دفعنى أحدهم على وجهى فطرحنى أرضا لم أطئها من قبل
أخذت تتلقفنى الأيدى ؛كان أول ما انكسر منى نظارتى الطبية وتوالت بعدها الكسور

كانت التحية عندهم ليست السلام كسائر البشر بل كانت انتقام لاأعرف له سببا والترحيب لم يكن بالأيدى فقط بل بالأرجل والعصى العاديه والكهربائية واللكز والوخز والأحزمة والأحذية لم أرى كرما كهذا فى حياتى !

كانت التحية المبالغ فى كرمها هى التى لم تدعنى أرى بقية الضيوف ولوقت ما لا أستطيع حسابه تصورت أن جميع الموجودين أصحاب بيت واننى الضيف الوحيد رغم تصاعد أصوات الأنين والصراخ من حولى إلا اننى لم أكن أدرك حولى ؛ كل ما كنت أدركه أولا أدركه


كان داخلى كان دهشة أو صعقة أو مس من جنون أين أنا هل فى بطن القبر ؟ ولكنى لا أظن هؤلاء ملائكة ؛بعد مدة من الوقت لا تحسب بحجم الزمن بل بحجم الإهانة التى لم تترك مساحة فى جسدى وروحى إلا وطبعته ببصمة منها ، بعد تلك المدة ركلتنى قدم أحدهم ركلة كومتنى فى أحد الزوايا البعيدة بعد أن أخذت نصيبى من الترحاب ، حينها سمعت صوت قوى فى الظلام انه صوت الباب الثقيل يبدو أن هناك زائر جديد بعثه الله لرحمتى بعض الوقت ،









انقشعت الظلمة لبرهة عبر فيها أحدهم الطريق إلى مصيره الذى توحد مع مصائرنا فى هذا الوقت العصيب ، تكرر هذا الدخول وتلك الرحمة التى نسلمها لبعضنا البعض ، فالوقت الوحيد الذى كان يتوقف فيه التنكيل بنا هو لحظة فتح الباب الذى لم أكره فى حياتى باب سواه ولم أعشق فى حياتى باب سواه ؛ فمنه دخلت إلى هذا المنفى وشعرت أننى لن أعود ومنه ولهذه اللحظات التى يعبر فيها أحدهم كانت تعبر الرحمة ويتوقف العذاب حتى يتم غلقه ثانيةً ؛ فيعود الضرب ولكن للجميع بدون مساواة أو عدل ؛كيف لأعمى أن يعدل قد أخطأوا حينما جعلوا العدالة معصوبة العينين فكيف ترى فى الظلام كم أعطت لهذا وكم أعطت لذاك ؛ إنه أنسب وقت للفلسفة والتأمل لم يكن لدى وقت فراغ من قبل للتأمل فى أى شىء ؛فمنذ طفولتى وأنا أعمل فى الإجازة والدراسة على حد سواء وذلك لإتمام دراستى وشرح صدر أهلى فظروفهم المتواضعة لم تكن تسمح بتحمل نفقات الدراسة ولكنها دائما ما تعلقت بأمل التحقق أن ترى هذه الأسرة الكادحة إبنا جامعيا كان أقصى المنى

ورغم المجموع الكبير الذى حصلت عليه بالقسم العلمى فى الثانوية العامة إلا ان التنسيق لم يجد لى فرصة سوى فى احدى الكليات النظرية ورغم التقديرات العالية التى حصلت عليها طوال سنوات الدراسة إلا ان الواسطة التى لا أمتلكها قد أدت بى للتوظيف فى احدى الوزارات

وظيفة متواضعة إلى جوار مواهبى وطموحى السابقين فلم أعد أشغل بالى بأيهم وتكفينى سعادة والدتى وفخرها التى ترانى أكبر إنسان فى الدنيا ؛لم أعد أشعر بجسدى أهو كتلة من الثلج أم جمرة من النار؟! كلاهما شعور مؤلم









هل دمى يسيل أم عرقى يتصبب من فرط الإزدحام والإختناق ؛ فى البداية كان كل زائر غير حديث العهد بالمنفى يبحث عن ركن يتكوم فيه على ذاته بعد أن ينشغلوا فى الترحيب بالزوار الجدد وبعد توالى الأعداد فرادى وجماعات لم يعد هناك مكان لأحد يتكوم فيه بمفرده بل صرنا كتلة واحدة
من دم ولحم كرامة نازفة ورائحة عطنة وملمس لزج ؛كتلة ظننت أنها لن تنفصل أبدا ستظل ملتحمة ببعضها البعض أبدا فى هذا المنفى اللعين ؛كتلة بلا ملامح فقط تملؤها التشوهات ؛

هل أنعشتنا المياه التى كانوا يسكبوها فوقنا أم زادت الألم ؟! لست أدرى ترى هل كان هناك من يدرى هل كانوا يعرفون هم ؟ لكأنه فائض إنتقام يصبونه علينا لأنه أتى بأذهانهم فحسب على سبيل التنويع حتى لا نظن فيهم التقليدية والرتابة ؛كم حسدت عميان الدنيا اليوم فلو ولدت مثلهم ما كانت الظلمة زادت من وطئة الظلم ؛ كم أكره الظلام الذى لا تتميز فيه الأشياء ؛ لكأنهم يعرفون ؛أما لهذا الليل من فجر ؟

هل الليل فى هذا المنفى الحديدى أم فى نفوسنا أم أنه حقيقةً خارج الإثنين ؟ توالت الساعات أو الأيام والسنوات لست أعرف ولا أعتقد أن جزء من كتلة اللحم كان يعرف ولكن فى لحظة هى أشبه بلحظات الصحو من كابوس بشع فتحت البوابة الحديدية ولم يدخل أحد بل لفظونا منها واحدا تلو الآخر كانت الظلمة حالكة فى الخارج هل هى كذلك فعلا أم اننى اعتدت الظلام

حاولت أن أتحسس معصمى بحثا عن الوقت لكن ساعتى لم تكن فيه وكذلك لم أجد هاتفى المحمول فيما بقى من ملابسى ؛









رغم ألمى الشديد فى سائر خلايا جسدى كنت أهرول بشدة ربما لأثبت لنفسى انى لازلت قادرا على الحركة وربما خوفا من تراجعهم فى كلمتهم وإعادتى للمنفى مرة أخرى ؛ولكن أين أنا ؟ لا يهم وإلى أين أتجه أيضا لا يهم المهم أن أبتعد .


بعد طول هرولة وجدت نفسى بميدان التحرير ؛ لم يكن فى هذا الليل كما كان فى الصباح ؛ لم أرى فى هذا الفضاء سوى ساعة جامعة الدول العربية تعلن إنتصاف الليل ؛
توجهت ناحية عم رمضان بائع الجرائد لأعرف اليوم الذى أنا فيه ؛ وصدمت حينما عرفت اننى لازلت فى الخامس والعشرين من سبتمبر لسنة 2005 ميلادية ؛ أكان كل ما حدث قد حدث فى أقل من يوم؟!


طلبت من عم رمضان ان يدفع للصبى الذى تحدثت عنده من المحمول بحجة ضياع حافظتى ؛ لم أكلم ليلى لأعتذر عن الموعد بل كلمت ماضى لأحكى له ما حدث ؛
جائنى صوت عاملة الشركة صارما :
- الهاتف الذى طلبته غير متاح حاليا من فضلك اتصل فى وقت لاحق 0

إنجى همام
القاهرة فى السادس من يناير 2008
الساعة الحادية عشرة والربع مساءً0

ليست هناك تعليقات: