كانت 2003 تلقى بتحية الوداع ويتمتم ديسمبر الحبيب بنسمات شتوية منعشة تدعو للتفاؤل
وكنت فى طريقى لميدان الفلكى بصحبة بعض الأصدقاء الذين حاولوا اقناعى بالجلوس على أى مقهى من المقاهى التى تملأ وسط البلد فالوقت قد تأخر وجيوش المتسكعين التى تعج بها المقاهى طيلة اليوم قدبدأت فى إخلاء مواقعها ولكنى تمسكت بالذهاب للندوة الثقافية مقهاى المفضل بميدان الفلكى ؛مقهى صغير يغلفه وقار ما وهدوء نادر فى المقاهى المصرية ؛
وكان حين وصلنا قد بدأ يخلو من مرتاديه إلا قليلا ؛جلسنا بالممر المواجه لصيدلية شقرا حيث اصطفت الطاولات والكراسى الخالية فى انضباط كسائر الأشياء فى الندوة ؛ورأيته هناك فى أقصى الممر يجلس منفردا ولكنه ليس وحيدا ؛فقد كان يضع مسجله الصغير أمامه ويسمع خطاب التنحى لعبد الناصر ؛جذبنى إليه صوت ناصر الذى أحفظ تفاصيله عن ظهر قلب ولكن سرعان ما شدنى إليه شىء آخر فالرجل الذى جاوز الستين كما تبدو هيئته قد غيم على وجهه إعياء شديد ولكنه لازال مستغرفا فى صوت ناصر
فكرت أن أسأله ما به ولكنى انتبهت لصحبتى على صوت سعيد –نادل المقهى – يتشاجر مع جمال الذى طلب القهوة مغلية فأتى بها سعيد على غير ذلك ؛ هدَأت جمال وبعثت سعيد لإعداد القهوة من جديد ؛حينما عادت عيناى للرجل وجدته يكاد أن يسقط من فوق كرسيه ؛لم أستطع الصمت هذه المرة فهرعت إليه ولحقنى أصدقائى نسأله ما به ولكنه لم يستطع التفوه بشىء فطلبت له سيارة الإسعاف وظللنا بجواره حتى نقلته إلى المستشفى ؛ فى اليوم التالى ذهبت لزيارته هناك فعرفت منه انه أستاذ للأدب المقارن بغزة وعرف انى صحفى وأديب ناشىء
تبادلنا أرقام الهواتف المحمولة ووعد بلقاء قريب عند أول زيارات د0 أيوب للقاهرة ؛فكم كنت مشتاق لسماع أخبار الغالية فلسطين منشخص قد ألصق أذنه على دقات قلبها ؛ ان حكايات الأخبار بارده وأنا متوق للدفء
ولكن د0 أيوب كان مرتبطا ببعض المواعيد هناك وعليه الاستعداد للسفر ؛ فمنيت نفسى بلقاء قريب
بعد ثلاثة اسابيع وجدت رقم هاتفه المحمول على شاشة هاتفى رددت عليه لأرتب أقرب موعد للقائه ولكنه كان يتحدث من غزة ؛ سألنى عن أخبارى ووعدنى باللقاء فى القاهرة بعد أربعة أيام
فى مساء اليوم الرابع كنت وخطيبتى فى انتظاره على نفس المقهى بصحبتنا بعض الأزهار وكثير من اللهفة
أما هو فجاء معه باسطوانة لأشهر أغانى المقاومة الفلسطينية وأهدانى إياها فطلبت منه أن يحدثنى بنفسه عن هذه المقاومة
قال د0 أيوب - الذى لاحظت أنه يشاطرنى الاهتمام بتفاصيل الأشياء- أنا لا أود الحديث عن احصائيات القتلى والقتلة ولكن دعونى أصف لكم مدينتى كما أراها ؛ هناك بغزة تسكن الدبابات بالقرب من البيوت وكما تسهر وأصحابها لإقتناص منظم حينا عشوائى فى معظم أحيانه ؛كذلك تسهر بيوتنا وأهليها فى معظم الأحيان وتغفو حينا بينما تسهر أحلامنا بالحق تحرسنا ؛ فى مدينتى البيوت كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا
خلف بيتنا بيت قد إلتصق به ؛ واجهته تطل على الشارع الخلفى بينما يحمى ظهره بيتنا كما يحمى بيتنا ظهره
ان بيوتنا أيضا تقاوم بطريقتها الخاصة ؛ اننى عاشق للبيوت فهى أوطان صغيرة شديدة الحميمية والإلتصاق بأهلها ؛ ووطنى الصغير مكون من غرف ثلاث ؛ اثنتان على البيت الكائن خلف بيتنا ؛ احداهما غرفة نومى وزوجتى ؛ أثاثها بسيط ولونها من البنى الفاتح والأخرى حجرة المعيشة ولها لون الفستق أرضيتها مفروشة ببساط أخضر تناثرت عليه وسائد كثيرة ؛ فى أقصى يمين الحجرة مذياع عتيق كنا ندعوه مذياع الأمل ؛ قد كان لأبى وأهدانيه بعد الزواج وهنلك تلفاز وجهاز فيديو توسطا المكتبة التى تدثر جدران الغرفة ؛
أما الصالة فنضع فيها صالونا بسيطا له لون السماء نستقبل فيه ضيوفنا ولخطاط صديق علقنا لا تصالح تعلوها صورة حقيقية للمسجد الأقصى ؛ أما الغرفة الثالثة والتى تطل على الشارع كنا نود أن تكون لأبنائنا فى بداية عهدنا بالمنزل
ولكن بعد أن جاءوا لم نستطع إلا أن نخلى لهم غرفة المعيشة ونرحلها للصالة ؛ فالغرفة الثالثة لم تكن تدخل منها الشمس فحسب بل يدخل معها الرصاص ؛ فالدبابات المتنمرة فى أقصى الشارع تركت الكثير من بصماتها فى أرجاء هذه الغرفة وفى أرجاء نفوسنا جميعا ؛ مرات بعيدة وقريبة أذكر جميعها كأنها الأمس ؛ مرات مروعة كدنا نفقد فى كل منها أحدنا ؛ لكأنها عشية الأمس حينما كانت إيمان لم تبلغ عامها الثالث بعد ؛ كانت تحبو فرحة خلف عربتها اللعبة ؛ كانت أمها بالمطبخ وأنا فى الطريق إلى المنزل ؛انطلقت اللعبة نحو غرفة الرصاص وخلفها إيمان ولكنها لم تلحظ أن العربة قد دخلت تحت أحد الكراسى وبإصرار طفلة عنيدة فتحت الباب ؛ حينها كان الرصاص يطارد المارة بالشارع وكان لحجرتنا منه نصيب ؛ وكم أحمد ربى ان الرصاص الذى قد أصاب معظم كراكيب الدوشمة –الغرفة- لم يمسس إيمان التى قفزت أمها فى لحظة واحدة لجذبها خارج الحجرة فى غمرة الضرب ؛ اصرار عجيب لأطفالى جميعا يشدهم نحو هذه الغرفة ؛ فهى الوحيدة المطلة على الشارع وكم يحبونه حتى قبل أن يمكنهم نزوله وحدهم ولا عجب فمن شابه أباه ما ظلم وكم أحب شارعى وبيتى
ترد خطيبتى بعد برهة من صمت د0 أيوب :ولما تحتمل كل هذا القلق والفزع على أسرتك طالما لديك مكان للمعيشة بالقاهرة ؛فلتجعله دائما وليس مؤقتا
د0 أيوب : محبوبتى هى حقا مصر ولكن من المحال ان آتى للعيش بها نهائيا
خطيبتى : ليس من المحال ؛ قد تكون هناك بعض الاجراءات الصعبة والمرهقة ولكنها ليست محالة على أى حال
د0أيوب : المحال يا آنستى ليس الاقامة بمصر انما هو ترك فلسطين ؛ لن نتركها ما ححيينا وبعد الممات
هم د0أيوب بالرحيل بعد أن هاتفه أحد أصدقائه على المحمول شد على يدى مودعا ووعدنى وخطيبتى باستضافتنا يوما بمقهاه الأثير بغزة ؛ فقبلنا دعوته مؤكدين تلبيتها
إنجى همام

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق