Powered By Blogger

السبت، مارس 27، 2010

البهاء


كان أبى وأمى من الصعيد ومن قرية الكرنك على وجه التحديد التى تقع فى حضن المعبد الشهير ، وقد ظل أبى حتى نهاية عمره يحلم بأن يبنى بيتا هناك ويعود ليقضى آخر أيامه فى مسقط رأسه ، غير أن هذا الحلم لم يتحقق إلى أن توفى وأنا فى السنة الأولى فى الجامعة ،ولم أعش أنا فى القرية إلا فى إجازات قصيرة ، ومع ذلك فقد كنت أعرف عنها أدق التفاصيل والتطورات ، فقد كانت قريتى هى "أمى" التى تركت القرية فى السادسة عشرة من عمرها بعد زواجها من أبى وتنقلت معه فى عدة مدن حتى وصلنا إلى الجيزة ، ولكن القرية ظلت تعيش فى داخلها حتى نهاية عمرها ، ولعل الأصح أن أقول إنها لم تغادر القرية " بوجدانها " قط فهى لم تغير طوال حياتها لهجتها ولا عاداتها الصعيدية ، وكانت تفاصيل الحياة فى القرية وتاريخ أسرها والعلاقات بين هذه الأسر وما يحدث لأفرادها الموضوع المفضل عندها ، وساعد ذلك انها كانت تملك موهبة غريزية فى حكاية القصص " هى التى لم تتعلم القراءة ولا الكتابة " وكانت تمارس تلك الهواية باستمرار لا سيما عندما يزورنا أقاربنا من الصعيد ، فنتبادل معهم الأخبار والحكايات وتجدد معلوماتها عما يحدث هناك أولا بأول ، ومن حسن حظها أن مثل هذه الزيارات لم تكن تنقطع على مدار السنة ، وكانت أحب اللحظات إلىً فى فترة الطفولة " وما بعد الطفولة أيضا "حين أستمع إليها تحكى هذه القصص باستغراق كامل وبتفاصيل دقيقة وبلغة البلدة وتعبيراتها كأنها ما زالت تعيش فى النجع الذى ولدت فيه ، لذلك فقد أهديت أول رواية لى وهى" شرق النخيل " إلى ذكرى أمى ليس فقط لأن هذه السيدة الأمية العظيمة استطاعت أن تقود سفينة حياتنا الصعبة وأن تضمنا بالحب أنا وأخوتى وتدبر معيشتنا بأقل القليل من المال حتى أنهينا تعليمنا ، ولكن لأننى منها أيضا تعلمت حب الحكايات وحب الصعيد ، ولا علاقة لهذا بعقدة أوديب كما ذكر أحد النقاد ذات مرة ! .
هو ابن جيل الستينات تلك الفترة الخصبة سياسيا وإجتماعيا وثقافيا وكان لذلك الزخم أثره على كل كتاب جيله وقد كان له نصيب غير قليل من التأثر به فى الكتابة وفى الحياة .
إنه بهاء طاهر الروائى المصرى ذو الأصول الصعيدية كما كتب فى تلك المقدمة التى تصدرت روايته " خالتى صفية والدير " عام 1991 ، ويعد بهاء طاهر أحدأهم الروائيين العرب ليس لحصوله على عدد من الجوائز الأدبية أهمها " جائزة بوكر العربية " ولكن لأنه صاحب تلك المدرسة الأدبية التى حافظت على نفسها على مر العصور " السهل الممتنع " إن كتابات بهاء طاهر تعد من هذا النوع الذى لا يملؤه التحزلق والتفلسف والمصطلحات الضخمةبغرض الوصول إلى مرتبة العظمة بل إنها كتابات بسيطة قد تشبه حكايات والدته الصعيدية الأمية التى تحدث عنها وعن تأثيرها فيه ولكن فى الوقت عينه لا تشوب تلك البساطة فى اللغة والأسلوب أى نوع من التفاهة أو التسطيح ، مدرسة خاصة جدا بنيت على أساس متين هو الجذور التى يبدو جليا اعتزازه الدائم بها ، فهو دائما ما يضرب بقلمه وخياليه فى جذوره التاريخية والجغرافية فلم يتخذ من القاهرة مصرا عظمى تعبر عن كل كتاباته بل هو مرة فيها وأخرى فى الجنوب وثالثة فى الواحات ، أما عن جذوره التاريخية والتى يتجلى عشقه لها فى كل كتاباته لا سيما الفرعونية منها فها هو فى الثمانينات يجعل بطلته فى " قالت ضحى "تتقمس شخصية " إيسيت " أو إيزيس كما نعرفها وتصحح للبطل تلك الأسطورة التى شوهها الأجانب بأسماء من اختراعهم فهى ليست أسطورة إيزيس وأزوريس بل " إيسيت وأوسير " ، ثم ها هو فى آخر رواياته الحاصلة على البوكر العربية لعام 2008 يعود لنفس الجذور الفرعونية ولكن على لسان وخيال بطلة أجنبية متيمة بالأسكندر الأكبر والتى أفنت عمرها فى البحث عن المكان الحقيقى لمقبرته كجزء هام من أبحاثها الأثرية والتاريخية وفى سبيل هذا تخوض تجربة خطرة تطوف فيها فى المقابر والمعابد الأثرية القديمة بواحة سيوة واصفة إياها بزخارفها ونقوشها وكتاباتها وتحولاتها الرهيبة على يد الزمن والمصريين فى القرن التاسع عشر ، وفى نفس الروايه يخطفنا بهاء طاهر لعالم آخر وزمان آخر ومكان بعيد هو تلك الواحة المصرية منذ أكثر من قرن من الزمان ليحكى لنا عن مصر فى فترة الثورة العرابية ومامنيت بها مصر من خيبة أمل تجسدت فى حياة بطل الرواية " الضابط محمود " الذى جرت على لسانه أحداث ومواقف تاريخية فاصلة لخصت أحداث الثورة و أسباب الخيانة كل هذا دونما أن تتحول الرواية لفصل فى كتاب التاريخ رغم كل تاريخيتها وسواها من روايات بهاء طاهر
فإذا تأملنا قليلا فى " الحب فى المنفى " سنجدها تحكى مأساة العدوان الصهيونى على لبنان فى الثمانينات وذلك من خلال تجربة صحفى مصرى عاش تلك الفترة ليس فى غمار الحرب ولكن على تخومها بشكل ما ومن خلال تلك التخوم قدم شهادته للتاريخ عن تلك التجربة المرعبة للقارىء والكاتب أما الذى عاشها فليس له منا إلا محاولة إنصافه كما فعل بهاء طاهر بلغة محايدة بعيدة عن الخطابة والشعارات ، مدرسة محيرة هى مدرسة هذا الكاتب أو فلنقل قل مثلها فهو على المستوى السياسى دائما فى نزاع ما بينه وبين نفسه التى عشقت ثورة يوليو عشق لم يمنعه من إدانتها أو إدانة بعض رجالها وها هى تنازعه كلما كتب ، فلو كتب عن صلب الفترة الناصرية كما كتب فى "قالت ضحى" بالطبع فإن الفترة تفرض نفسها وتفرض صراع الكاتب بين محبة فترة خصبة جليلة فى تاريخ مصر داخليا وخارجيا وبين إعادة التاريخ الإقطاعى الظالم لنفسه على يد بعض المستفيدين الجدد ، و إذا كتب عن لبنان وحربها بعد عقدين من ذهاب الثورة ورجالها فإنه ما زال يجعلها حاضرة بتأثيراتها ومخلفاتها فى البلد والناس وهكذا فى معظم كتاباته نجد لتلك الثورة بصمة وأثر ، وإذا سبق الزمان الروائى زمانها نجده يتحدث عن السياسة والمظاهرات ومناهضة الإحتلال الذين شكلوا جزءا لا يتجزء من وعيه الأول وحياته الشخصية ، ولكنه يفعل ذلك من خلال ثورة أخرى كالثورة العرابية فى " واحة الغروب " والسياسة لديه ليست أيقونه لجذب الإنتباه كما نجدها فى بعض الكتابات الأخرى بل هى موقف يريد الإفصاح عنه وكأنما أراد الإدلاء بشهادة طلبت منه جبرا فى محكمة التاريخ
أما عن الجنس فى أدب بهاء طاهر فهو ما يزيد من تميز مدرسته الأدبية فهو كاتب عفيف القلم ، نعم لا تخلو رواياته وقصصه من حكايات الحب كمحور أساسى تدور فى فلكه الروايه لتصل بنا إلى غايات إنسانية وسياسية وتاريخية ولكن الحب هو الأساس ، ولم يكن الحب لديه حب عذرى خيالى إن صدقناه فى رواية لا يمكننا ذلك فى الأخرى حيث يروى الكاتب فى أزمنة مادية لا علاقة لها بمعلقات الشعر والغزل العفيف ، بل إن قصص العشق فى رواياته تصل للكمال المادى ولكن دونما أى ابتذل يأخذ القارىء بعد الكتابة والقراءة ويذهب إلى منزلة الغريزة ، فهو يصف علاقاته الكاملة لنراها كاملة ولكن دون أن تحرك غرائزنا خلفها ، فهى كتابة للعقل والضمير وما سما من دواخل إنسانية منطقية فهو لا يأخذنا لعالم الخيال واللا منطق ولا يدنو بنا لعالم الشهوة والحسيات ، بل هو فى منطقة متوازنة تضع الإنسان حيثما يجب أن يكون إنسان وهذا من ناحية الكاتب والقارىء ،أما من ناحية شخوصه الأدبية فلا يشوبها أى مبالغة أو تطرف نحو الكمال
وبالنسبة للدين ثالث أقانيم الإبداع ولا سيما الأدبى فموقفه منه هو الحرية كل الحرية دونما سباب أو لعنات أو تطاول على أى دين أو لا دين فى مقابل آخر ، فهو لم يأتى للدين بذكر مباشر فى معظم أعماله حيث عبر دونما كلمات عن حرية المعتقد وأن هذا راجع لكل شخص وليس على الكاتب أو من دوره أى تعليق ، وفى رواية واحدة عبر عن موقفه الكامل وبكل وضوح ومباشرة حيث كان موضوع الرواية وبل وحتى عنوانها يتمحور حول الدين وهى رائعته الموجعة " خالتى صفية والدير " تلك الرواية التى تلخص فيها موقفه من العقيدة فلكل دينه وشعائره فى حرية تامة ليس فقط لا يمسها الأخرون بل يحترمونها ويتسامحون معها ، تلك الحالة السامية والواقعية فى آن معا والتى لخصتها أحداث تلك الرواية التى حملت أبطالا نائت بهم همومهم ولم يحتملهم سوى التسامح والمحبه فى الله .
إنجى همام

ليست هناك تعليقات: