تلك المدينة اللاهثة مدينتى وتلك المدونة اللاهثة خلفها وخلف أهلها فى الزحام ،وفى الزحام قد نضيع أو نلتقى
الأربعاء، مارس 19، 2014
أكروبات ثورية !!!
فى مطلع 2002 وتحديدا فى التاسع عشر من يناير وقد كان اليوم التالي مباشرة لانتهاء امتحانات نصف العام بكلية الحقوق جامعة حلوان والتى كنت أدرس فيها حينها ،، فى ذلك اليوم كان موعد للقاء بمعرض الكتاب مع مجموعتي اليسارية الأوسع – مجموعة اللجنة الشعبية كاملة- كنا قد اتفقنا على عمل معرض صور ومن ثم التحرك بتظاهرة تجوب المعرض حسب الظرف وما يستتبع من تداعيات ،، كنت أرتدى يومها بنطالا زيتي اللون على جاكيت بني قصير وغطاء رأس مشجر متداخل الألوان ،، كنت أشعر أننى أحد جنود الصاعقة متنكرة كورقة شجر أو حيوان بري لا يُرى وسط الغابات بسهولة ،،ألتقيت باكرا فى الموعد المحدد باثنين من الزملاء الذين لم أكن إلتقيتهم من قبل – أستاذ أحمد عبد القادر و أستاذ حسن محمد – عرفنا بعضنا من مكان اللقاء وقبل أن تتجمع باقي المجموعة شتت الأمن شملنا فى يوم لا يُنسى هو الآخر ،، قرر الأمن منع المعرض وللإحالة بيننا وبين ذلك قام بالقبض على بعض الزملاء ولاذ البعض بالفرار قبل ملاقاة نفس المصير،، عرفت أن الزميل وائل توفيق تم القبض عليه ولكننا للأسف لم نملك شيئا حيال ذلك ،، قررت ولم يكن معي سوى أحمد عبد القادر وحسن محمد أن نترك المعرض ونتحرك باتجاه وسط البلد للتشاور ودراسة الموقف مشينا من المعرض حتى جامعة عين شمس ثم ركبنا لوسط البلد ، أخذوني لمقهى " أفطر إيت" وكانت أولى زياراتي له فى هذا اليوم ،، جلسنا فى شتاء قارص البرد نحتسى المشروبات الساخنة ونتناقش بخصوص الموقف ،، فى الأيام التالية تكررت لقاءاتنا بالمعرض ثلاثتنا تحديدا كنا نلتقى نتحدث ونعرف جديد الأخبار ونفكر فى مستقبل العمل الثوري ،، حضرنا عروضا فنية واشترينا العديد من الكتب ،، فى المساء كنا نذهب للبواكى التى تملأ زوايا المعرض خارج الصالات ،، فى هذا العام وعلى إضاءة اللمبات الصفر الباهتة ومن هذه البواكي اشتريت كتب عن لينن وستالين وغيرهما من أعلام الفكر الشيوعي ،، لم يكن ذلك بتحريض من أحد بل حالة عقلية ونفسية سيطرت علىً فى هذا الحين لمعرفة هذا العالم الذى أحيا على مقربة منه ،، أذكر حينها أن التليفزيون كان يعرض مسلسل البيضة عن رواية بنفس الإسم ليوسف إدريس وكم كان تأثير الحالة اليسارية على وجداني حينها حتى أننى تمنيت الغرام بأحد اليساريين تماهيا مع المسلسل ومع قصة أخرى كانت تترعرع فى الجوار قصة لصديقتي وصديقي اليساريين اللذان وقعا فى غرام بعضهما فى جو رومانسي رائق مغلف بعشق وطني ثوري أرجعني لقراءاتي الأولى عن قصص العشق والثورة فى العديد من بلاد العالم ،،، إنتهى معرض الكتاب ولم تنتهى صداقتي بأحمد وحسن حتى أنهما عرضا علىً العمل معهما مع دكتورة "منى صادق" وقد كانوا يعملون على مشروع للتعليم من خلال الفنون فى إحدى مدارس القاهرة بمنطقة باب الشعرية ،، كنا نلتقي بمحطة مترو العتبة ونترجل من هناك لمدرسة الصديق يوسف مارين بدرب البرابرة ومحلات حلويات السبوع وبطاقات دعوة الزفاف حتى نصل للمدرسة والتى عملنا من خلالها "بمشروع الخرنفش" لتعليم الأطفال العاملين بالصاغة ،، كانت تمضى لقاءاتنا العملية بالتوازي مع لقاءات أخرى ثورية فالانتفاضة الفلسطينية شهدت موجة جديدة من موجاتها الثورية فى هذا التوقيت ،، كان ربيع 2002 تباشير الربيع بالتحديد ،، خرجت من المدرسة بعد إنتهاء لقاءنا لهذا اليوم بصحبة دكتورة منى وصديقنا أحمد عبدر القادر اتجهنا صوب الجيزة ،، تحديدا جامعة القاهرة التى كانت مقرا للزخم الثوري حينها ،، مررنا بشوارع و أزقة لم أمر بها من قبل فالطريق كان مغلق فى كثير من الشوارع وكان لابد من المناورة للوصول ،، بالقرب من مدرسة السعيدية رأيت مشهدا أحالني لفلسطين المحتلة ،، مشهدا حين ذاك كان قمة فى الثورية والتهور أيضا ،، شباب صغار جميعهم ملثمون بالحطة الفلسطينية وصناديق قمامة تخرج منها النيران و أحجار الشارع والشوارع المجاورة تملأ أرض المكان فى مطاردة عنيفة مع قوات الأمن ،، وصلنا للجامعة المسكرة أبوابها جميعا ولم يكن أمامنا بد من إتخاذ خطوات غير تقليدية للدخول ،، أكروبات ثورية !! نعم قالوا لي سندخل من فوق سور الجامعة ،، صعد أحمد أولا ولكنه لم ينزل من الناحية الأخرى ،، ظل معلقا لمساعدتي فى الدخول ،، صعدت للأعلى ولكننى لم أجرؤ على اللف والقفز ،، لم أفعلها من قبل طيلة عمري دائما ما كنت الفتاة الحالمة المسالمة على الأقل بجسدي و إن شطحت أفكاري ما شطحت ،، تذكرت الآن فعلتها مرة واحدة من إحدى شرفات دار القضاء العالي فى بدايات عملي الصحفي ،، بصحبة أستاذ شريف عبد الحميد ودكتور عصام عبد الرحمن وزميلتي هبة يوم نشبت معركة بين أنصار أ. سامح عاشور و أ. رجائي عطية فى أحد المؤتمرات التى كُنا نقوم بتغطيتها فى انتخابات نقابة المحامين عام 2000 ،، انقلبت المعركة بين الأنصار من مشادات كلامية لمشاحنات بالأيدى ولم يكن بد من الخروج بهذه الطريقة ،، وخرجنا جميعا قافزين !! ولكن شرفات دار القضاء العالي لم تكن بنفس درجة إرتفاع سور الجامعة على أية حال ،، المهم ظللت معلقة و أحمد والدكتورة منى بالأسفل وكلاهما يستحثني على النزول فكنت أنزل بنفس الإتجاه الذى صعدت منه ثم أعود و أصعد حتى نزلت بالقوة الجبرية فى النهاية ،، فى لحظة من لحظات التأرجح فى الهواء على سور الجامعة رأيت قنبلة غاز تُلقى بجواري ،، وبشكل لا شعورى وجدتنى فى ثوان معدودة ألف و أقفز داخل الجامعة و أسقط ممزقة فردتى حذائي ونياط صدري معا أما الحذاء فمن قوة وعلو القفزة و أما صدري الذى شعرت بإضرام النيرن فيه فمن رائحة القنبلة التى تنشقتها دون وعى ،، لحظة لن أنساها ظللت أصرخ بأنين مكتوم "بمووت بمووت " ولم يُجبني أحد فجميعهم كانوا كذلك ،، دخلنا للجامعة وانضممنا لصفوف الثائرين هتفنا وغنينا وتحركنا فى مجموعات كبيرة وتمكنا بعد فترة من فتح الأبواب المغلقة بالقوة كنا نمضى صوب السفارة الإسرائيلية ولكن هيهات فالأمر حينها لم يكن ليُسمح به على الإطلاق ،، على بعد بضعة أمتار من أبواب الجامعة التى خرجنا منها ألقوا علينا كميات كثيفة من قنابل الغاز رجعنا مهرولين للجامعة وسقطنا فى الطريق ببرك المياه التى خلفتها عربات المطافىء التي قامت بدور كبير مع الثوار صباحا قبل مجيئنا ،، عدنا للجامعة وظللنا فى عمليات كر وفر متوالية حتى المساء فيما عُرف حينها بيوم الأثنين العظيم ،، توزع وقتي حين ذاك بين لقاءات مشروع الخرنفش ولقاءات سياسية غالبا كانت تُعقد فى المساء بنقابة المحامين حيث إعتصام لعدد من القوى الثورية هناك تطور لاضراب عن الطعام بمصاحبة تظاهرات يومية تخرج من النقابة وكذلك نقابة الصحافيين تجوب شوارع وسط المدينة ،، تدريجيا ودون ترتيب وربما دون وعى ابتعدت عن الصحافة ،، تمنيت العمل مع الناس لا الكتابة لهم ،، عدت لنقطة البدء ما جدوى الكتابة لشعب لا يقرأ ،، الشارع مكاني إما الثورة و إما الإصلاح ،، هذا ما سأصارح نفسي به لاحقا ،، أما حينها فلم أكن أُجادل نفسي فى الأمر ،، فقط استسلمت لفرصة وجدت فيها خلاص ما حل ما ،، ها نحن نعد أنفسنا من خلال الورش التدريبية لتعليم الأطفال وتربيتهم بشكل أفضل و أكثر وعيا ومن ناحية أخرى نتظاهر ونثور ونصرخ بملء ضمائرنا فى وجه الباطل من أجل الحق ،، ما أروعها من فترة تاريخية هامة فى حياة مصر وحياتي ،، إننى أعدها مخاض الثورة الأول أو الأقرب أو الأخير فكم من مخاضات عسيرة طويلة مرت بها مصر على مدار أعوام ظالمة مظلمة ،، عندما كنا نهتف يوميا فى الشارع شارع رمسيس " بكرة الشعب المصري أكيد هيسقط سلطة كامب ديفيد" كنا نشعربنشوة عجيبة و كأنها نشوى سقوط فعلي لاتفاقية العار ،، كنت أقول لأصدقائى حينها قد سقطت كامب ديفيد بالفعل على الأقل شعبيا و الحقيقة أنها لم يكن لها وجود شعبي من الأساس ولكن هتافات الصغار كانت تملؤنى بالأمل منهتى الأمل ،، طلبة المدارس الثانوية والأعدادية أيضا ولا سيما بوسط المدينة كانوا يخرجون معنا يوميا وكثير منهم كان يمسك بالهتاف ويُحمل على الأعناق غارسا وعدا لا شك فيه بغد أجمل ،، على صعيد مواز عرضت علينا دكتورة منى صادق العمل معها فى الإعداد لمشروعها الخاص وهو مركز متخصص لتعليم الأطفال العاملين من خلال الفنون ،، كانت تدعونا لبيتها بمصر الجديدة لنقضي أوقاتا غاية فى المتعة والعلم والطموح ،، كنت أنا وأحمد وحسن وتعرفت هناك أيضا على الزميل ميسرة ،، كُنا نستقل ترام مصر الجيدة " أو زقزوقة كما كان يدعوه أحمد" كنا نستقله من رمسيس حتى بيتها بمصر الجديدة تستقبلنا المرأة متوسطة العمر متفردة العقل والمحبة بترحاب شديد ودفء أشد كنا نوزع المهام المعروفة سلفا تقريبا إنجي مختصة بالكتابة و أحمد بالرسم وميسرة بالموسيقى وحسن بالإدارة ،، في بيتها سمعت أغنيات الشيخ إمام بصوته لأول مرة فى حياتي ،، كُنا نثرثر طويلا حول تصورات المشروع بعدها تدعونا لمائدة غداء طيبة بمصاحبة الأغاني الثورية الهادرة من مسجلها الكبير ثم تُعطينا كتب كل فى تخصصه حتى نعرف أكثر ونستعد أفضل ،،،
مذكرات كاتبة متعطلة عن الكتابة
إنجى همام
15/1/2013
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق