Powered By Blogger

الاثنين، نوفمبر 08، 2010

اسكندرية ....

تلك المدينة الساحرة التى أنتظر أسبوع الذهاب إليها من العام للعام لأحيا به أسابيع وشهور، أنفض فيها كل غبار الروح وأعود مستعدة لتحمل معاناة عام جديد، ليست باريس كما يمكن أن تتوقعون ولكنها الأسكندرية باريس العربية.
يبدأ يومى السكندرى باكرا على غير المعتاد فى الإجازات بإفطار فى غرفتى الفندقية المطلة على البحر، فى شرفتى المتواضعة أتناول فتافيت الفطور اللذيذة ليس لذاتها ولكن لأنها هناك ثم أعود لسريرى مرة أخرى بمنتهى الكسل الملوكى أراقب البحر من بعيد و أعانقه فى حلمى فقط حيث لا أهوى النزول إليه ثم أفيق بعد قليل أو كثير لا يهم ما دمت فى حضن الجميلة الأسكندرية، أرتدى ملابسى و أنزل بصحبة زوجى لنقوم بدور إبن بطوطة نستكشف كل يوم شىء جديد لا ننزل لأقرب مكان أو أشهر مكان بل نبحث فى طرقات المدينة العالمية عن خلاصة السعادة والمرح فى كل خطوة، نتغدى كل يوم فى منطقة والعشاء يكون فى أخرى نسافر فى المدينة العريقة عبر السنين نزور التاريخ والأزمنة الفائتة التى لازلت تنضح بها تلك المدينة ولم تضيع أشلاؤها فى جنبات الحاضر البغيض كغيرها من المدن.
نشعر أننا لسنا بمصر على الإطلاق، ربما لأن مصر ارتبطت لدينا بالتعب والعناء والضغوط والكفاح والصبر واليأس والأمل والموت والحياة كل صباح لنبدأ أو نقنع أنفسنا أننا نبدأ حياة جديدة، أما فى الأسكندرية فلا شىء سوى الدلال، دلال الروح والعقل والنظر والسمع، لا نعوم فى زحام المصطافين على بحرها الجميل وإنما نكتفى بمشاهدته من عل من غرفتنا المطلة عليه، أما فى الأرض فنسيح فى بحر النور فى تلك الشوارع السكندرية المختلفة فى كل شىء حتى أناسها ، أراهم مختلفون لازالوا يهتمون بأناقتهم أرى ألوان ملابسهم بديعة متناسقة مشرقة تتوهج تحت شمس الصيف التى لا تضايقنى مطلقا كشمس القاهرة، ربما كان هذا الوهج هو انعكاس لوهج روحى لا أعرف ولكنى كذلك أرى كل شىء هناك أحيا فى النور فى النور وحسب لا شىء سواه لا أضيع منى ترفة عين منه لذا أسميتها مدينة النور .
أبحث وزوجى عن زوايا وأركان صغيرة بديعة كل يوم ، محلات الجيلاتى وطبعا أشهر محلات الأسماك غداء فى أبو قير على الشاطىء ونزهة فى حدائق المنتزة، محلات العصائر المتخصصة فلأول مرة أجد محلات تتخصص فى الخروب وأخرى فى السوبيا وزيارة للجنة عند القصبجى محل بسيط يملؤه سحر من الجنة لا يأخذك لماض أو مستقبل ولا يمت للأرض بصلة شعرت بروح الجنة فى هذا المساء الذى زرته فيه، قصر الفنون ومسرح سيد درويش ومكتبة الأسكندرية ومكتبة أكمل مصر زوايا متألقة لمدينة مثقفة كأنها جامعة علم و أدب وفن وليست مجرد مدينة للحياة الفارغة.
أحيا هناك ألف عام فى بضعة أيام ولا أعرف أى ملكة يمكننى أن أصبح هناك، ملكة كسول مدللة تنظر من شرفتها الملكية على البحر البعيد فلا ترى آخره، تتنهد بعمق مريح وتحتضن صوت الأمواج وتنام فى سلام، أم ملكة مغامرة تبحث وتكتشف وتعرف تجوب الطرقات وتبحث عن كل جديد تجالس الشعب و تشاهده من قريب تأكل معه على الأرصفة وتضحك وتداعب الأطفال فى الطرقات.
أم ملكة مثقفة عاشقة للفنون والآداب تصاحب الصفوة فى المسارح والمكتبات تعرف كل جديد وقديم فى العلم والفن وتغرق فى لجة الإبداع حتى الثمالة أو .. أو .. أو .. لا تنتهى الإحتمالات المثيرة فى هذا المكان ولا يكفينى عنه أبدا الكلام لا ينتهى شغفى به إلى الملل والضجر من طول الذهاب إليه وتفضيله على غيره كل عام بل يزداد الشوق له لأنه دائم التجدد بلا نهاية.
عندما قرأت "عزازيل" ليوسف زيدان رأيت بعدا آخر لهذه المدينة لم يكن يخطر ببالى من قبل وعندما زرتها لأول مرة بعد قراءة تلك الرواية البديعة وجدتنى أنعت الأسكندرية بالمدينة المتوحشة، وأخذت أبحث فى كل الزوايا حولى أين يمكن أن يكون قد تم قتل "هيباتيا" تلك الفيلسوفة الجميلة التى سحلها السكندريون منذ قرون عدة فى أحد الشوارع نهارا جهارا ؟؟!! لا أعرف ولكن هيامى لم يقل بتلك المدينة لرؤيتى لها متوحشة فى أحد أزمنتها.
كنت هناك منذ ثلاثة أشهر وهذا لم يروى عطشى إليها لهذا العام فمنذ بدأ الصيف يشتد وأنا أحيا على هذا الأمل متى سنستقل قطار الزمن للعودة لمدينة التاريخ، متى سنركب عربة السعادة لنذهب لمدينة المرح، أريد أن أغير جلدى كسائر المصطافين ولكن جلد الروح وليس الجسد.
أغفو و أفيق على حلمى بها ، ولكنى الآن خائفة .. لأول مرة أذكر تلك المدينة ويقشعر جسدى من الخوف عوضا عن السعادة لأول مرة تطفر من عينى دموع كلما ذكرتها أو ذكرت أمامى لأول مرة لا أريد الذهاب إليها ولا أعرف كيف سيمكننى دخولها مرة أخرى.
منذ أسابيع قليلة لم تعد الأسكندرية تذكرنى بأى شىء مما قلت عنها أو لم أقل من المشاعر البديعة فقط صارت تذكرنى بشىء واحد
شاب يدعى خالد سعيد
إنجى همام
القاهرة / 24 يونيو 2010 الحادية عشرة مساء

ليست هناك تعليقات: