
فى عز شتاء الثمانينات منتصفها بالتحديد الطفلة الصغيرة تصحو باكرا جدا تخبأ طعامها فى أى مكان وتصلى الفجر-أحيانا بدون وضوء من شدة برودة الماء- تلبس المريول المدرسى مهما كان الطقس وتحمل حقيبتها على ظهرها وتمضى وحدها منذ صفها الثانى الإبتدائى، كان العام الدراسى كله شتاء حين ذاك أو هكذا أذكر ، ورغم الجو الغام كانت تعشق مدرستها ولم تغب عنها يوما إلا بالإكره تقريبا
مدرسة جمال الدين الأفغانى الإبتدائية والتى جعلتها تعشق الرجل منذ كان عمرها ست سنوات –هل أطفال هذا الزمان يفكرون فى أسماء مدارسهم ويعرفون من هذا أو ما هذا؟- من المهم جدا اختيار أسماء المدارس.
الأطفال المتأخرون يجرون كعادتهم والمتلكؤون يقفون حول بائعى الحلوى وصور المطربين والممثلين، بعض الأهالى يجرون أولادهم تعنيفا أو تدليلا أما الأحرار مثلها من مراقبة الأهل فيفعلون ما يحلو لهم من وقوف عند المكتبات أو الباعة أو حتى اللعب الصباحى اللذيذ ، كانت فى هذا الصباح من الملتفين حول باعة صور المشاهير ، شاهدت الصورة الجميلة عدة مرات تعرفها جيدا وقد وقعت فى غرامها من أول نظرة ، واليوم قررت شرائها، لم تكن صورة لإحدى نجوم الثمانينات تضع أحمر الشفاه الغامق وتكشف عن كتفيها مطوحة شعرها فى الهواء كحبيبة عبد الحليم حافظ ، لم تكن أيضا صورة لمطرب شهير أو لاعب كرة قدم يداعب أحلامها فقد كانت أصغر من ذلك بكثير لا تملك من العمر أكثر من سبع أو ثمانى سنوات ، لم تكن الصورة لصحبة زهور أو طبق فاكهة شهى أو حتى طفل وليد ، كانت لسيدة جميلة دونما أصباغ لم يكن شعرها يطير فى الهواء أو ينسدل حتى على كتفيها بل كان مدثرا بغلاله رقيقة من القماش أو النور لا تدرى ، لم تكشف عن نهد أو ساق بل غطت جسدها كله بثوب الجمال والجلال ثوب من الأزرق الفاتح الذى قد يكون سببا فى عشقها لهذا اللون لليوم ، لم تطل من عينيها نظرة إغواء أو حتى ثقة بالنفس ، بل نظرة البراءة والطهر والإيمان نظرة تجذب كل طفل صادق الطفولة ، نظرت الطفلة للصورة بسعادة خالصة ومدت يدها الصغيرة فى جيب المريول المدرسى و أخرجت عشرة قروش ثمن الصورة وضعتها فى يد البائع و أخذت صورتها ومضت ، وضعت الصورة وسط الكتب حتى لا تتعرض للتلف وظلت تتفحصها طوال اليوم خلسة بين الحصص متمنية انتهاء اليوم المدرسى والذهاب بكنزها للبيت .
و أخيرا يعلن جرس المدرسة عن إنتهاء يومها الدراسى فتحمل حقيبتها فى صدرها هذه المرة وتجرى على البيت ، تخرج الصورة الجميلة من بين الكتب بانتصار الفاتحين وتجرى على والدتها
الطفلة : ماما شوفى اشتريت إيه النهاردة
الأم مندهشه : انتى عارفة مين دى يا جيجى
الطفلة : أيوه يا ماما ستنا مريم .. عجبتنى الصورة اشترتها
الأم مبتسمه كنت فاكراكى مش عارفة
الطفلة : ممكن لو سمحتى يا ماما تعلقيلى الصورة دى فوق السرير
الأم تقبلها وتأخذ الصورة مجيبة طلب ابنتها .
إنجى همام
القاهرة
6 يوليو 2010

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق