Powered By Blogger

الجمعة، يونيو 27، 2008

الحلقة التاسعة :مراسيل 2



لدينا عادة شديدة الرسوخ فى بيتنا وهى أن لا أحد ينام إلا فى الظلام والظلام لا يعنى ظلام الغرفة التى ينام فيها بل ظلام المنزل كله 0
كنت فى إجازة الصف الثانى الثانوى وكانت المرة الأولى التى أقرأ فيها رواية طويلة لكاتب عربى ، كانت قراءاتى الأولى معظمها لترجمات عالمية وحتى ما قرأت من العربية لم يصل لهذا العدد من الصفحات رواية من ألف صفحة "الرجل الذى فقد ظله "للراحل فتحى غانم ، كانوا اخوتى جميعا يجلسون أمام التلفاز خفيض الصوت فى جو غرق فى الظلام لأن أبى و أمى قد ناموا وكنت أجلس ومعى هذه الرواية على الأرض أمام باب الحمام حيث مصدر الضوء الوحيد آتى من مصباح صغير "سهراية "وأظل الليل بطوله على هذه الحالة ففى الصباح هناك شواغل أخرى على كل فتاه كما أسلفت ورغم ذلك أذكر ان صفحات بعض الكتب كادت تحترق وأنا أمسكها بيد وبالأخرى أقلب شىء على النار "ملحوظة "- لم أكن من محترفى الطبخ ولكن لابد من دخولى لمتابعة شىءما - ،كانت المرة الأولى التى أقرأ فيها لفتحى غانم ولا زلت لليوم أذكر تفاصيل مشاهد هذه الرواية البديعة وكنت مستمتعة جدا من هذا الجو الذى كنت أقرأفيه والذى لابد وسأرى آثاره على نظرى مع الأيام ولكنه كان جو ملائم لجو الرواية التى لم أستطع نسيانها بمجرد الإنتهاء من قرائتها بل ظل تأثيرها ملازمنى بقوة أكثر من عام
كانت ليلة آخر مادة فى الإمتحانات وكان إمتحان التاريخ للثانوية العامة وهى مادة أعشقها لذا لم أفتح كتاب المادة ! بل أخذت فى تبييض بعض المقالات التى كتبتها خلال العام الدراسى وبعد أن انتهيت من ذلك دخلت فراشى ونمت وفى الصباح وبعد إنتهائى من أداء الإمتحان والذى كانت تقع لجنته بالعباسية توجهت لروزاليوسف "المجلة بالطبع" لا أذكركيف وصلت ولاماذا ركبت ولكنى أذكر انى قبلها بعدة أيام قمت بأداء مسلسل عربى على أبى قلت له انى ذهبت لمقابلة فتحى غانم وفى الإستقبال حينما سألونى نقول له من قلت طرف "يوسف عبد الحميد السويفى"وهو بطل الرواية وعندما ابتسم أبى متظاهرا بتصديقى سألته عن العنوان وشجعنى على ذلك ، كنت أرتدى "تايوور شانيل مشجر أما شعرى فكان كاريه قصير والقصة المتطايرة داخلة فى عينى اليمين حولاها "ورائحة "الفا الأزرق" تفوح من ملابسى وخطوتى على الأرض حالمة كمن هى ذاهبة لمقابلة غرامية ، تمخطرت خطوتى فى شارع القصر العينى وكنت لا أريد للطريق أن ينتهى فى الذهاب أو الإياب كنت أشعر أنى أسير بفيلم عربى قديم أو رواية تحكى عن هذا التوقيت ،حينما سألت عن الأستاذ طلبوا منى الإنتظار فى بهو المجلة بهرتنى التابلوهات المعلقة على الحوائط وحركة الصحافيين صعودا وهبوطا وشعرت أنى غلبت آفة الخجل فى هذا اليوم فها أنا فى بهو مجلة معروفة وأنتظر أستاذ من أساتذة الصحافة والأدب الحمد لله ، حينما دخل الرجل الذى كنت أنتظره لم ألتفت فلم أكن قد رأيته من قبل أشارت فتاة الإستقبال نحوى فرأيت رجل بسيط يرتدى بنطلون و قميص صيفى يتجه نحوى ،أحيانا أهاب بعض الأشخاص المتمتعين بالبدانة وأحيانا أرى فيهم طيبة بادية من الوهلة الأولى وكان هذا شعورى نحو الأستاذ فتحى غانم فى أول وآخر مقابلة ، فالرجل الذى قابلنى بترحاب وسمعنى باهتمام طلب منى أن أترك له مقالاتى ليقرأها على مهل وحينما طلب رقم هاتف منزلنا ليرد على فأخبرته بأنه ليس لدينا واحدا !!نعم لم يكن لدينا هاتف بالمنزل ففى هذا التوقيت كان عليك أتقدم طلب لدخول الهاتف لمنزلك وتنساه طويلا ، أعطانى الأستاذ نمر المجلة وطلب منى الإتصال بعد اسبوعين حتى يكون عاد من الأسكندرية ،عدت لبيتنا على جناح السعادة وبعد أسبوعين ذهبت لأحد السنترالات بالشارع لطلب الأستاذ ولكن المجلة كانت مشغولة باستمرار ،مل منى ومن نمرتى المشغولة صاحب السنترال وحاولت فى اليوم التالى وكانت النتيجة نفسها، بعدها ظهرت نتيجةالثانوية العامة ولم تكن درجاتى على ما يرام لذا اقترحت أمى ذهابى لبيت جدى حتى أذاكر بتركيز فى هذه الفترة القصيرة بعيدا عن صخب اخوتى الصغار وهذا ما حدث انشغلت بتحسين المجموع ومن بعده بالتنسيق ودخول الجامعة ولا أدرى أى غباء تملكنى فلم أحاول الإتصال بالأستاذ بعدها أبدا ولم أعرف مقدار غبائى سوى يوم قرأت خبر وفاة الأستاذ بالجريدة فحزنت مرتين !!!
بعد تجربتى المثيرة بالثانوية العامة "أصدقاء هابيل" قررت الإهتمام بدراستى فحسب حتى أصبح جديرة بفعل شىء هام ، لذا ظللت فترة لا أفكر بشىء من أحلام صباى وحتى الكتابة لأحدهم "أعلام الكتابة" لم تعد تخطر ببالى ،إلى أن قرأت مقالة للأستاذ محمد سلماوى عن غياب حلم قومى نحتاج إليه ، كنت فى العام الجامعى الثانى حين ذاك وقرأت المقالة بعربة السيدات بالمترو المتجه لجامعة حلوان حيث كانت كليتى وكان المترو خاليا على غير العادة فأخرجت أحد دفاترى من الحقيبة وجلست لأكتب ردا على هذا المقال وبالفعل كتبت رسالة "مطولة كعادتى " عن أهمية الحلم القومى وعدم صعوبة إيجاده إذا وجدنا القدوة فنحن شعب ضل الطريق ودائما ما نحتاج لنبى حتى نسير خلفه على درب الهدى وأحلام وأوأحلام من هذا القبيل ، تذكرت كانت مقالة سلماوى بعنوان "أضغاث أحلام " فختمت رسالتى بالتأكيد على أن هذه الأحلام المشروعة ليست بعيدة المنال وليست أبدا بأضغاث أحلام ، وبعدها 000 معروف بالطبع ما بعده ، بعدها لم أبعث بالرسالة !!
المهم بعدها بحوالى عام أو يزيد قليلا تابعت سلسة كتابات حول هموم الوطن فى تحقيق السبت بالأهرام للأستاذ عزت السعدنى ، وكان الأستاذ يتلقى خطابات الشباب المقيمين بالخارج ويعرض لنا همومهم وحنينهم للوطن وما أجبرهم على تركه ،وكنت أثناء امتحانات السنة الثالثة الجامعية "أنا مبدعة الإمتحانات أليس لقب يليق بى عن جدارة؟!" جلست فوق المكتب الذى كنت أذاكر عليه كعادتى هذا العام وكتبت له رساله متوسطة الحجم فقد مللت الرسائل المطولة وتشائمت منها ، حدثته عن عشقى لمصر وعن آمالى لها وبها و فيها، حدثته عن ضياع مصر النور فى عصر التنوير وعن علم بلا متعلمين وثقافة بلا مثقفين وعن ادعاء ومدعيين وعن التفكك والأنانية والأنامالية كأوبئة إذا ما عالجناها ستشفى بلادنا وترتقى وتتقدم على كثير من أمم سبقتنا بدون مبرر لتخلفنا عنها سوى ما ذكرت وشفعت رسالتى بالأمل كمصل أولى لبداية العلاج الذى إذا ما آمنا به لابد سوف ينجح وفى هذه المرة أرسلت رسالتى يوم الأحد التالى لقراءتى التحقيق ويوم السبت اشتريت الجريدة وانا عائدة من الامتحان وبعد مطالعة سريعة تركت الجريدة وأخبرتهم أن الرسالة لم تنشر ، لكن إيناس أختى أخذت تقرأ الصفحة بهدوء بعيدا عن توترى وبعدها قالت لى أليس هذا كلامك خطفت الجريدة من يدها وتأملت وتابعت السطور وقرأت كلماتى واسمى لأول مرة فى جريدة وكانت الأهرام أول مكان نشرت فيه!!!


إلى اللقاء فى الحلقة القادمة

إنجى همام

ليست هناك تعليقات: