Powered By Blogger

الثلاثاء، يونيو 10، 2008

الحلقة الخامسة : مدرسة المشاغبين "عفوا المشاغبات"




كان الزى المدرسى الخاص بمدرستنا عبارة عن قميص أبيض وتــنورة كحلية اللون وكنت أقوم بثنى أكمام قميصى حتى المرفقين أما تـنورتى فكانت واسعة ذات كسر وكانت تحت ركبتى تماما ، وشعرى كنت أصففه على هيئة ذيل الحصان مثل معظم بنات الثانوى أما " زينب" زميلتى التى لم توافق على مشاركتنا فى الحركة الإصلاحية التى كنا ننوى العمل بها فكانت ترتدى تـنورة طويلة وقميص له أكمام مفرودة ومقفلة الأزرار كما كانت ترتدى فوق رأسها خمارا وأعتقد انها الفتاة الوحيدة بالمدرسة التى كانت ترتدى مثل هذا الزى ، أما مدرستى الحبيبة فكانت صغيرة جدا فلم يكن بها سوى ثلاث فصول لكل صف دراسى وفناء صغير به حجرة للسكرتارية وما يشبه مبنى صغير من طابق واحد تقع فيه غرفة مدير المدرسة وصاحبها وقبل الوصول لغرفة المدير كان هناك مساحة صغيرة كنا نقف عليها كل صباح لتقديم الإذاعة المدرسية ، كنت أقوم بإعداد موضوعات صغيرة حول المجتمع والأحداث الجارية وأقوم بقرائتها كل صباح وأحيانا كنت أقوم بإلقاء قصيدة شعرية تتغنى بحب الوطن من تأليف أبى أو شاعر آخر وفى هذا المكان أيضا مكان تقديم الإذاعة كان أساتذتنا يقومون بتكريم المتفوقين وأذكر اننى برغم صعودى كل صباح للمشاركة فى الإذاعة إلا اننى كنت أتعثر على تلك السلالم من الخجل أثناء تسليمى هدية من أحد المدرسين ،كان جميع المدرسين والطلبة يعرفوننى جيدا بسبب رؤيتهم لى كل صباح فى الإذاعة حتى اننى كنت أقابل بعض الفتيات اللاتى لا أعرفهن فى الشارع يقفون لسؤالى عن شىء ما فأجدهم ينادونى بإسمى" إنجى همام" وحينما أسألهم هل نعرف بعضنا من قبل ، فيردون إن اسمى وصوتى يرن فى المدرسة كل صباح فكيف لا يعرفوننى .
لست أعرف سبب هيامى بمدرستى واصرارى على الاستمرار بها رغم بعد المسافة بينها وبين بيتنا ورغم أن والدتى عرضت على أكثر من مرة أن تسحب أوراقى وتحولنى للمدرسة التى تعمل بها والتى تقع قريبا جدا من بيتنا ، لكن حبى لمدرستى واعتزازى بها دفعانى للرفض ، كنت أعشق الفصول والأساتذة وزميلاتى أعشق هذا الطراز القديم التى بنيت عليه فقد كانت فيلا قديمة قبل أن تتحول لمدرسة ، كنت أعشق الرمل الذى تخطو عليه أقدامنا فى فنائها وأعشق حتى التراب العالق على اللوحات التى تزين جدرانها ، وأحب الجميع بإختصار لم يكن لى عداوات مع أحد ، كانت مدرسة خاصة صغيرة وجميلة وقد يكون ذلك الجمال فى عينى وحدى ولكنه الحب الذى كانت تضحك عليه زميلاتى وأفخر به كل الفخر ،وفى مدرستنا كما فى كل مدرسة كان هناك بعض الطالبات المشاغبات اللاتى لا يولين اهتمام بالدراسة وانصب اهتمامهن فقط على اللهو والشغب والسخرية من المدرسين قبل التلاميذ وكانوا معروفين جدا للجميع فى هذه المدرسة الصغيرة ، فلم تكن تنتهى حصة إلا وإحداهن محولة من قبل أحد المدرسين إلى ناظرة المدرسة ، وكنا سخرية هذا الموسم "أنا وزميلاتى فى حركة الإصلاح سالفة الذكر "حينما سمعتنا إحداهن ذات مرة نتحدث فى هذا الموضوع وجائتنى سائلة - إيه الحكاية ؟!- ، أعرف اننى لوشرحت لها ستزداد سخريتها ولن يغير كلامى من أمرها شيئا ،لذا قلت لها اننا نحاول تشجيع وتحفيز أنفسنا من أجل المذاكرة وكل ما نفعله هو مساعدة بعضنا البعض ، فكل واحدة تجيد مادة من المواد الدراسية تعد فيها ملخصات وتقوم بشرحها للأخريات ،ولم أكن أكذب عليها لأن هذا ما كنا نفعله تماما ، فقط لم أحاول أن أشرح لها ما نود فعله فى المستقبل من مساعدة الآخرين فى مجتمعنا العربى فكريا ومعنويا وماديا إذا توفقنا فى ذلك ، لم تقتنع هذه الفتاة بكلامى وذهبت لحلف الشر الصغير التى هى أحد أفراده وعقدوا اجتماعا موسعا قرروا فيه القضاء على مستقبلى و زميلاتى فى حركة "أصدقاء هابيل" ، لا أعرف حتى اليوم ماذا قالوا ولمن بالضبط ولكن ما أعرفه جيدا أن ما حدث لى فى صباح اليوم التالى كان نتيجة هذا الإجتماع
فى هذا الصباح استدعانى "مستر سمير" صاحب المدرسة ومديرها ، فصعدت تلك السلالم التى كنت أصعدها كل صباح للحديث فى الإذاعة المدرسية وأحيانا لتكريمى من قبل أحد المدرسين ،ولكن تلك المرة أكملت السلالم حتى وصلت لغرفة المدير ، دخلت عليه بتنورتى القصيرة وشعرى المقصوع على هيئة ذيل الحصان فوجدت هناك "زينب" التى كان لديها فى هذه اللحظة مشكلتين أولهما انها كانت ترتدى الخمار وثانيهما انها كانت صديقتى ، لا أذكر نص كلام المدير ولكنىأذكر معناه الذى جعل الأرض تهتز تحت أقدام طفلتين واجههمابكل تهديد ووعيد وأمرهما بالجلوس فى البيت وعدم الحضور للمدرسة حتى موعد الإمتحانات النهائية وإلا ليس نحن وأسرنا فقط من سنذهب فى رحلة خلف الشمس بل من قال لنا يوم صباح الخير ولو بدون سابق معرفة ،كان ذلك بعد أن وجه لنا الإتهام بالعمل مع أحدى الجماعات الإسلامية أو الإرهابية التى كانت تشكل فزعا رهيبا يملأ أرجاء مصر فى هذا الوقت بالذات!!! بمنتهى البساطة وبدون أى تحقيق أو سؤال أو حتى فرصة لأى منا أن تتفوة بكلمة واحدة تحاول فيها إيضاح الأمر أو الدفاع عن نفسها ، بمنتهى البساطة تم الحكم الذى اعتبروه رحيما رؤوفا علينا بمجرد شكوى من أتفه تلميذات المدرسة وأكثرهن إنحرافا وفى حق من ؟! حق أكثر التلميذات خلقا وعلما وطموحا بشهادة اللجميع ، ألم تلفت تـنورتى القصيرة نظر "مستر سمير" هل هناك فتاة تقترب من الجماعات الإسلامية يكون لها مثل هذا المظهر؟!
وهل كل من ارتدت الخمار كان حتما ولابد أن تكون على صلة بهم ؟ ، صدر الحكم دون سماع المتهمين وتم تهديدهم إذا نبسوا ببنت شفاه لأى مدرس فى المدرسة ، نزلنا الدرج وخرجنا فى صمت لكن "زينب" ظلت تبكى طول الطريق وتذكرنى بأنها ليس لها أية علاقة بما فعلته أو تحدثت فيه مع أحد و فعلا كانت هى الوحيدة التى رفضت المشاركة معنا حتى فى الحوار ،طلبت منى أن أتصرف أن أحاول مقابلة المدير فى الغد وشرح الأمر له ، أمرها هى انها لم يكن لها بنا صلة وصرنا وصمة عار ترجونى أن أمحو صلتها بها !
فى صباح اليوم التالى ذهبت للمدرسة وحينما رآنى "أستاذ عبد الستار " فى طابور الصباح تغيرت ملامحه وبدا عليه الإنزعاج الشديد وكل ما فهمته من ردة فعله هذه هو خوفه على نفسه من أن يتهم انه على صلة ما بنا !!!، صعدت لفصلى بعد الطابور وكان أول من قابلنى وأهتم بالحديث معى نفس الفتيات التى حدث لنا ذلك كله بسبب رواية لا أعرف كيف ولماذا اختلقنها ، سألونى ماذا حدث وحاولوا طمئنتى والإطمئنان على َ وأقسمن لى أنهن لا يعرفون سبب ما يحدث ولا علاقة لهن به ، وصدقتهن !! وذهبت لمقابلة المدير بثقة أنه سيتفهم الأمر والموضوع سوف ينتهى ، صحبتـنى إليه "مس ميرفت المشرفة"والوحيدة التى علمت بالموضوع بعد المدير وناظرة المدرسة ،دخلت للمدير وقبل أن أنبس ببنت شفاه قابلنى مقابلة أشرس عشرات المرات من اليوم السابق و أكد حكمه وشفعه بكلمات رقيقة بعض الشىء حول فرصة المذاكرة التى ستوفرها لنا هذه الإجازة الإجبارية وانه يتمنى أن يحصل لإبنته على مثلها ولكنه لا يستطيع .
البقية فى الحلقة القادمة
إنجى همام

ليست هناك تعليقات: