
كانت أولى لقاءاتنا يوم الحادى عشر من سبتمبر 2001، تاريخ لا ينساه العالم وبالطبع لم ننساه نحن ، تقابلنا بمكتب الأستاذ جمال عيد المحامى لنشرب نخب الإنتصار العظيم فقبل بيوم واحد أى فى العاشر من سبتمبر 2001 ضمتنا مظاهرة ميدان التحرير الشهيرة والتى تلتها أحداث التفجيرات الأمريكية و كأنما هى صدى صراخنا بالقاهرة .
كانت المظاهرة الأولى والأخيرة التى حضرتها مع رضوى ولم نرى بعضنا بالطبع فيها حيث لم يكن أحدنا يعرف الآخر ، فى اليوم التالى تجمًعنا فى مكتب أستاذ جمال ورأيتها لأول مرة ولم تصب نظرتى فيها -وهى من المرات القليلة التى لا أحسن فيها تقييم الأشخاص- كانت تجلس فى مقعد بعيد عنى، فتاه فى مطلع العشرينات كما كنت وقتها أيضا هذا وحسب ما كان بيننا من شبه ، كانت ترتدى تايور وردى أو بنفسجى لون نسائى رقيق و عطرها الفواح كان يملأ المكان، بيضاء ممتلئة هادئة صوتها الخفيض الرفيع يذكرك بنجمات سينما الستينات ، تعجبت من فتاه بمثل هذه الطلة فى وسطنا فجميع من فينا من إناث كن يرتدين البنطلونات وقمصان كللها العناء وإن فاحت منا رائحة فهى رائحة الكفاح ، أما وجوهنا لم تكن لها ألوان الزينات الرقيقة التى على وجه رضوى بل لون الشمس اللافحة التى خضبت وجوهنا وجعلتها تشبه كبد السماء ساعة الغروب، قلت لنفسى لا يمكن أن نصبح أصدقاء فليس هناك ما يجمعنا سوى هذه الغرفة وعمرنا الواحد تقريبا فهى تصغرنى بعام أو إثنين لا أستطيع التذكر بالضبط ولكننا مواليد نفس الشهر ،
عندما غادرنا مكتب أستاذ جمال طلبت السير معى لأننى الوحيدة التى كانت وجهتها مترو الأنفاق حيث كانت تريد، مشت الهوينى بكعبها العالى فأبطأتُ مشيتى لتلحق بى ، لا أذكر ماذا قال أحدنا للآخر ولكنى أذكر الطريق جيدا و وخطواتها البطيئة وصوتها الخفيض و أذكر أننا بعدما وصلنا للمترو قد صرنا أصدقاء ولليوم لم نفترق ، عشنا معا مراهقتنا السياسية و النضوج ووصلنا مبكرا لما يشبه الإعتزال ، حلمنا مع الحالمين بتغيير العالم و سئمنا مع السائمين من كل شىء فى العالم ، لنا ذكرى فى كل مقهى بوسط البلد وذكريات أخر فى معرض الكتاب حيث كان ملجأ للسياسين و أنشطتهم و أيضا إعتقالاتهم فى كل عام .
عرفنا حلاوة العشق الأول معا ومرارات الصدمات الأول ، لطالما طال حديثنا فى كل شىء وكان أكثره هاتفيا ولو أن هناك جائزة لأجمل حوارات هاتفية لحصلنا عليها بجدارة ، كنا دوما نتكلم فى موضوعات ليست هى أحاديث محترفى الهاتف ، كنا نتكلم فى الأدب والفلسفة والفن والسياسة والدين وكنا دوما نقول لبعضنا أن أحاديثنا تلك لابد أن يضمها كتاب أو كتب يوما ما ، كنت أقرأ لها قصصى القصيرة وكانت تقدم لى النقد الفنى وكثيرا ما كانت تلهمنى بموضعات للكتابة وبشكل صريح فتقول لى أكتبى عن هذه الفكرة أو ذاك الموضع فأقول لماذا لا تكتبيها أنت فترد لست كاتبة فأرفض عرضها السخى مجيبة إنه مولود ليس لى ولا أحب إختلاط الأنساب بعدما يكتمل نموه ستقولين إنه لك من الأساس ، فتقول لن أفعل و أقول لن أقبل وتضيع الأفكار الجميلة لأن أحدنا لم يرد الإعتراف بها !!
تحدثنا وتحدثنا طويلا وطال أيضا صراخ كل من يريد الهاتف فى أحد بيوتنا فنحن نستحق دخول موسوعة جينز للأرقام القياسية عن أطول مدة حديث فى الهاتف، كل هذا الوفاق رغم عدم إتحاد رؤانا السياسية فقد مالت هى نحو اليسار وذهبتُ أنا نحو القومية العربية التى ترعرعت عليها بالفطرة وكثيرا ما سخر أحدنا من أفكار الآخر ورموزه السياسية ولا زلنا نفعل، ربما ليست السياسة وحدها ما اختلفنا حوله وقد يكون هذا هو سر جمال العلاقة ، تكامل لا تطابق سوى فى المحبة والحمد لله
تخرجت رضوى من كلية الألسن قسم اللغة الإنجليزية فى عام تعارفنا وعملت بعدها بوزارة الخارجية كما كانت تحلم ، فقد حكت لى يوما أنها كانت تكتب على كراساتها منذ عهد الطفولة السفيرة رضوى هانى رضوان وسعدت بعملها كثيرا ولكنها لم توقف طموحا عند حد الوظيفة فقد كانت تعشق الفن وقررت دخول أكاديمية الفنون لتحصل على دبلومة فى النقد وقد حصلت عليها بدرجة إمتياز ، لكنها لم تكمل دراساتها فى الفن بعد ذلك ولا أعلم هل تنوى أم لا لم تقل لى شىء عن هذا من زمن ، تغير كلانا شكلا وموضوعا وربما تبادلنا المواقع أحيانا حتى فى الشكل فقد ملت أنا للبدانة ومالت هى للنحافة بعدما كان الوضع عكسى ، هل أقول سرقتنا الحياة ؟ فماذا سرقت منا لقاءاتنا الجميلة أم أحاديثنا العذبة أم شطحات الجنون التى كانت تأخذنا إلى اللاحدود وكثيرا اخترنا ألا نعود، أقسى و أفدح سرقة هى سرقة الأمال التى إن وجدت فلا غياب لشىء وإن غابت لم يعد حضور لشىء ، حالة اليأس والأمل التى تتبادل الرواح والمجىء فيما بيننا هى أخر ما وصلنا إليه عن بُعد وقد صار حديث الساعة الذى أرغب بتغييره لحديث خاص يدهش العالمين كعادتنا معا
علاقتنا الحبيبة مستمرة ولو ظللنا سنوات بدون لقاء ، فهناك لقاء لا ينتهى بين العقول المتواعدة على الأحلام الجميلة والأهداف العظيمة والأفكار النبيلة،
صديقتى الحبيبة وحبيبتى الصديقة أوحشتنى كثيرا ألا ليت زمان الوصل يعود يوما.
إنجى همام
القاهرة
8 يوليو 2010

هناك تعليقان (2):
بحبك ...ربنا يخليكى ليا ...
ويخليكى ليا يا جميلة
المدونة نورت والله
إرسال تعليق